قال الإمام الغزالي في " المستصفى " : ما من أحد من الصحابة إلا وقد ردَّ خبر الواحد، كردِّ عليٍّ رضي الله عنه خبر أبي سنان الأشجعي في قصة بروع بنت واشق، وقد ظهر منه أنه كان يحلف على الحديث. وكردِّ عائشة خبر ابن عمر في < تعذيب الميت ببكاء أهله عليه >، وظهر من عمر نهيه لأبي موسى وأبي هريرة عن الحديث عن الرسول ﷺ، وأمثال ذلك مما ذكر. أورد الغزالي ذلك في مباحث : خبر الآحاد في معرفة شبه المخالفين فيه، وذكر رحمه الله في مباحث الإجماع إجماعَ الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد، لأدلة ظاهرة قامت عندهم.
وقال الإمام ابن تيمية في " المسودة " : الصواب أن من رد الخبر الصحيح كما كانت الصحابة ترده، لاعتقاده غلط الناقل أو كذبه، لاعتقاد الراد أن الدليل قد دل على أن الرسول لا يقول هذا، فإن هذا لا يكفر ولا يفسق، وإن لم يكن اعتقاده مطابقاً، فقد رد غير واحد من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هي صحيحة عند أهل الحديث. انتهى
وقال العلامة الفناري في " فصول البدائع " : ولا يضلل جاحد الآحاد، والمسألة معروفة في الأصول، وإنما توسعت في نقولها لأني رأيت من متعصبة أهل الرأي مَن أكبر ردَّ خبر رواه مثل البخاري، وضلل منكره ؛ فعلمت أن هذا من الجهل بفنِّ الأصول، لا بأصول مذهبه، كما رأيت عن الفناري. ثم قلت : العهد بأهل الرأي أن لا يقيموا للبخاري وزناً، وقد ردوا المئين من مروياته بالتأويل والنسخ، فمتى صادقوه حتى يضللوا من رد خبراً فيه ؟ وقد برهن على مدعاه. وقام يدافع عن رسول الله ومصطفاه.
وبعد، فالبحث في هذا الحديث شهير قديماً وحديثاً، وقد أوسع المقال فيه شراح " الصحيح " وابن قتيبة في شرح " تأويل مختلف الحديث " والرازي. والحق لا يخفى على طالبه. والله أعلم.


الصفحة التالية
Icon