وذلك قريب من الذي قلنا في تأويل ذلك، لأن محمدًا ـ ﷺ ـ والقرآن، من حجج الله على الذين خوطبوا بهاتين الآيتين. غير أن الذي قلناه في تأويل ذلك أولى بالحق، لأن الله جل ثناؤه، قد احتج على من خالف الإسلام من أحبار أهل الكتاب بما عهد إليهم في التوراة والإنجيل، وتقدَّم إليه على ألسن أنبيائهم بالوَصاةِ به، فذلك وغيرُه من حجج الله تبارك وتعالى عليهم مع ما لزمهم من الحجج بمحمد ـ ﷺ ـ وبالقرآن. فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. أ هـ ﴿تفسير الطبرى حـ ٤ صـ ٢٥٨﴾
وقال ابن عاشور :
وإنما قال تعالى :﴿من بعد ما جاءتكم البينات﴾ إعذار لهم، وفيه إشارة إلى أنهم يجب عليهم تفويض العلم إلى الله الذي أوحى إلى رسوله بإبرام الصلح مع المشركين، لأنه ما أوحاه الله إلاّ لمصلحة وليس ذلك بوهن للمسلمين، لأن الله عزيز لا يهن لأحد، ولأنه حكيم يضع الأمور في مواضعها، ويختار للمسلمين ما فيه نصر دينه وقد رأيتم البينات الدالةَ على عناية الله برسوله وأنه لا يخزيه ولا يضيع أمره ومن تلك البينات ما شاهدوه من النصر يوم بدر. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٢ صـ ٢٨٠﴾
قوله تعالى :﴿فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
قال ابن عاشور :
قوله :﴿فاعلموا أن الله عزيز حكيم﴾ جواب الشرط، و﴿ أن الله عزيز حكيم﴾، مفعول ﴿اعلموا﴾، والمقصود علم لازمه وهو العقاب. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٢ صـ ٢٨٠﴾
قال الفخر :
لقائل أن يقول : إن قوله تعالى :﴿فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات﴾ إشارة إلى أن ذنبهم وجرمهم، فكيف يدل قوله :﴿أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ على الزجر والتهديد.