وقوله :﴿من حيث أمركم الله﴾ حيث اسم مكان مبهم مبنيٌ على الضم ملازمٌ الإضافة إلى جملة تحدده لِزوال إبهامها، وقد أشكل المراد من هذا الظرف على الذين تصدوا لتأويل القرآن وما أرى سبب إشكاله إلا أن المعنى قد اعتاد العرب في التعبير عنه سلوك طريق الكناية والإغماض وكان فهمه موكولاً إلى فطنهم ومعتاد تعبيرهم. فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع أي إلا من حيث أمركم الله بأن تعتزلوهن منه مدة الحيض يعني القبل قال القرطبي ( من ) بمعنى في ونظره بقوله تعالى :﴿أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ [ الأحقاف : ٤ ] وقوله :﴿وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [ الجمعة : ٩ ]، وعن ابن عباس وأبي رزين مسعود بن مالك والسُّدي وقتادة أن المعنى : من الصفة التي أمركم الله وهي الطهر، فحيث مجاز في الحال أو السبب و( من ) لابتداء الأسباب فهي بمعنى التعليل.
والذي أراه أن قوله :﴿من حيث أمركم الله﴾ قد علم السامعون منه أنه أمر من الله كان قد حصل فيما قبل، وأما ( حيث ) فظرف مكان وقد تستعمل مجازاً في التعليل فيجوز أن المراد بأمر الله أمره الذي تضمنته الغاية بـ ( حتى ) في قوله :﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ لأن غاية النهي تنتهي إلى الإباحة فالأمر هو الإذن، و( من ) للابتداء المجازي، و( حيث ) مستعملة في التعليل مجازاً تخييليا أي لأن الله أمركم بأن تأتوهن عند انتهاء غاية النهي بالتطهر.


الصفحة التالية
Icon