والقول الثاني : أن المراد : لا يأتيها في زمان الحيض، وأن لا يأتيها في غير المأتى على ما قال :﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ ومن قال بهذا القول قال : هذا أولى لأنه أليق بما قبل الآية ولأنه تعالى قال حكاية عن قوم لوط ﴿أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [ الأعراف : ٨٢ ] فكان قوله :﴿وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ ترك الإتيان في الأدبار.
والقول الثالث : أنه تعالى لما أمرنا بالتطهر في قوله :﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فلا جرم مدح المتطهر فقال :﴿وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ والمراد منه التطهر بالماء، وقد قال تعالى :﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المتطهرين﴾ [ التوبة : ١٠٨ ] فقيل في التفسير : إنهم كانوا يستنجون بالماء فأثنى الله عليهم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٦ صـ ٦٠﴾
وقال القرطبى :
قيل : التوابون من الذنوب والشرك. والمتطهرون أي بالماء من الجنابة والأحداث ؛ قاله عطاء وغيره. وقال مجاهد : من الذنوب ؛ وعنه أيضاً : من إتيان النساء في أدبارهنّ. ابن عطية : كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط :﴿أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [ الأعراف : ٨٢ ]. وقيل : المتطهرون الذين لم يُذنبوا. فإن قيل : كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب ؛ قيل : قدَّمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه ؛ كما ذكر في آية أُخرى :﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات﴾ [ فاطر : ٣٢ ]. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٣ صـ ٩١﴾
قال السعدى :
ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده، وصيانة عن الأذى قال تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي : من ذنوبهم على الدوام ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي : المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث.