والتابعين له بإحسان من ضيق دار العلم والإيمان حذراً من هلاك الأبدان بتكاليف الأديان إلى قضاء الشهوات والعصيان فوقعوا في موت الجهل والكفران فلما نزل عليهم القرآن وكان أكثر هذه السورة في الرد على أهل الكتاب وكرر فيها هداية العرب من الكفر والجهل بكلمة الإطماع في غير موضع نحو ﴿ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون﴾ [ البقرة : ١٥٠ ] ﴿لعلكم تتقون﴾ [ البقرة : ٢١ ] ﴿لعلهم يرشدون﴾ [ البقرة : ١٨٦ ] ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾ [ البقرة : ٢١٩، ٢٢٠ ] وغير ذلك إلى أن ختم هذه الآيات بترجي العقل وكان أهل الكتاب قد اشتد حسدهم لهم بجعل النبي الذي كانوا ينتظرونه منهم وكان الحاسد يتعلق في استبعاد الخير عن محسوده بأدنى شيء كانوا كأنهم قالوا : أيحيي هؤلاء العرب على كثرتهم وانتشارهم في أقطار هذه الجزيرة من موت الكفر والجهل بالإيمان والعلم بعد أن تمادت بهم فيهما الأزمان وتوالت عليهم الليالي والأيام حتى عتوا فيهما وعسوا ومردوا عليهما وقسوا ؟ فأجيبوا بنعم وما استبعدتموه غير بعيد، فقالوا : فإن كان لله بهم عناية فلم تركهم يجهلون ويكفرون بعد ما شرع لهم أبوهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام دين أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ؟ فأجيبوا بأنه فعل بهم ذلك لذنب استحقوه لحكمة اقتضاها سابق علمه ثم ذكّرهم قدرته في مثل ذلك من العقوبة واللطف بما هم به عالمون فقال تعالى مخاطباً لنبيه ﷺ والمراد هم - كما يقال : الكلام لك واسمعي يا جارة - ﴿ألم تر﴾ ويجوز أن يكون الخطاب لكل فاهم أي تعلم بقلبك أيها السامع علماً هو كالرؤية ببصرك لما تقدم من الأدلة التي هي أضوأ من الشمس على القدرة على البعث ويؤيد أنه لمح فيه الإبصار تعديته بإلى في قوله :﴿إلى الذين خرجوا﴾ وقال :﴿فقال لهم الله﴾ أي الذي له العظمة كلها عقوبة لهم بفرارهم من أمره ﴿موتوا ثم أحياهم﴾ بعد أن تطاول عليهم الأمد وتقادم بهم الزمن كما أفهمه العطف بحرف


الصفحة التالية
Icon