قال الحرالي : والبينة ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، وذلك فيما أظهر الله سبحانه وتعلى على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله، فإن كل باد في الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله، فما كان أقرب إلى ما اختص الله تعالى به كان أعلى وأبهر، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه ﴿وأيدناه﴾ أي بعظمتنا البالغة ﴿بروح القدس﴾ في إعلامه ذكر ما جعل تعالى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح كما قال سبحانه وتعالى :﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ [ مريم : ١٧ ] كذلك كان فعله مع تأييده ؛ وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام موازنة ابتدائية، حيث كان أمر موسى من ابتداء أمر التكليم الذي هو غاية سقوط الواسطة، وكان أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ابتداء أمر الإحياء الذي هو غاية تصرف المتصرفين - انتهى. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ١ صـ ٤٨٦ ـ ٤٨٧﴾
أسئلة وأجوبة للعلامة الفخر
قال رحمه الله :
أما قوله تعالى :﴿وءَاتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ ففيه سؤالات :
السؤال الأول : أنه تعالى قال في أول الآية :﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ ثم عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال :﴿مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات﴾ ثم عدل من المغايبة إلى النوع الأول فقال :﴿وآتينا عيسى بن مريم البينات﴾ فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة ثم عنها إلى المخاطبة مرة أخرى ؟.
والجواب : أن قوله :﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله﴾ أهيب وأكثر وقعاً من أن يقال منهم من كلمنا، ولذلك قال :﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة.