لباب التأويل، ج ١، ص : ١٦٢
ثلاث تطليقات، والحر يملك على زوجته الأمة تطليقتين وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ يعني أعطيتموهن شيئا يعني من مهر أو غيره، ثم استثنى الخلع فقال تعالى : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ نزلت في جميلة بنت عبد اللّه بن أبي أوفى ويقال حبيبة بنت سهل الأنصاري كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها، وكان بينهما كلام فأتت أباها تشكو إليه زوجها وقالت : إنه يسب أبي ويضربني فقال :
ارجعي إلى زوجك فإنى أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها قال : فرجعت إليه الثالثة وبها أثر الضرب فقال : ارجعي إلى زوجك فلما رأت إن أباها لا يشكيها أتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فشكت إليه زوجها وأرته أثارا بها من ضربه وقالت : يا رسول اللّه لا أنا ولا هو فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ثابت فقال : مالك ولأهلك فقال :
والذي بعثك بالحق نبيا ما على وجه الأرض أحب إلى منها غيرك فقال : لها ما تقولين؟ فكرهت أن تكذب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين سألها فقالت : صدق يا رسول اللّه ولكني خشيت أن يهلكني فأخرجني منه. وقالت : يا رسول اللّه ما كنت أحدثك حديثا ينزل عليك خلافه هو أكرم الناس حبا لزوجته ولكني أبغضه فلا أنا ولا هو قال ثابت أعطيتها حديقة نخل فقل لها فلتردها علي، وأخلى سبيلها، فقال لها : تردين عليه حديقته وتملكين أمرك قالت : نعم فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخلّ سبيلها ففعل. (خ) عن ابن عباس «أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت يا رسول اللّه إن ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا مال ولكني أكره الكفر في الإسلام.
قال أبو عبد اللّه : يعني تبغضه : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : تردين عليه حديقته؟ قالت : نعم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» قوله : ما أعتب عليه يعني ما أجد عليه والعتبى الموجدة والحديقة البستان من النخل إذا كان عليه الحائط ومعنى قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَخافا أي يعلما الزوجان من أنفسهما أن لا يقيما حدود اللّه والمعنى تخاف المرأة أن تعصي اللّه في أمور زوجها، ويخاف الزوج أنه إذا لم تطعه أن يعتدي عليها، فنهى اللّه الرجل أن يأخذ من امرأته شيئا مما أعطاها إلا أن يكون النشوز من قبلها، وذلك أن تقول لا أطيع لك أمرا ولا أطأ لك مضجعا، ونحو ذلك، وقرئ يخافا بضم الياء، ومعناه إلا أن يعلم ذلك من حالهما يعني يعلم القاضي والوالي فَإِنْ خِفْتُمْ يعني فإن خشيتم وأشفقتم، وقيل : معناه فإن ظننتم أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ يعني ما أوجب اللّه على كل واحد منهما من طاعته فيما أمره به من حسن الصحبة، والمعاشرة بالمعروف وقيل : هو يرجع إلى المرأة وهو سوء خلقها واستخفافها بحق زوجها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك، والمعصية فيما افتدت به نفسها أو أعطت من المال لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، ولا على الزوج فيما أخذ من المال إذا أعطته المرأة طائعة راضية.
(فصل : في حكم الخلع وفيه مسائل) الأولى : قال الزهري والنخعي وداود : لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن لا يقيما حدود اللّه فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فهو فاسد، وحجة هذا القول : أن الآية صريحة في أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة شيئا عند طلاقها، ثم استثنى اللّه تعالى حالة مخصوصة فقال : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فكانت هذه صريحة في أنه لا يجوز الأخذ في غير حالة الغضب، والخوف من أن لا يقيما حدود اللّه، وذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز الخلع من غير نشوز ولا غضب، غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا سبب عن ثوبان أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :«أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة» أخرجه أبو داود والترمذي. عن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال :«أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق» أخرجه أبو داود ودليل الجمهور على جواز الخلع من غير نشوز قوله تعالى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لها شيء فإذا بذلت كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة أمر نفسها أولى. وأجيب عن الاستثناء المذكور في هذه الآية أنه محمول على الاستثناء المنقطع.