لباب التأويل، ج ١، ص : ١٧٣
ذلك ما روي عن زيد بن ثابت وعائشة قالا : الصلاة الوسطى صلاة الظهر، أخرجه مالك في الموطأ عن زيد والترمذي عنهما تعليقا وأخرجه أبو داود عن زيد قال :«كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منها فنزلت : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين ولأن صلاة الظهر تأتي وسط النهار وفي شدة الحر ولأنها تأتي بين البردين يعني صلاة الفجر وصلاة العصر.
المذهب الثالث أنها صلاة العصر وهو قول علي وابن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة، وهو قول عبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وقال الترمذي : هو قول أكثر الصحابة فمن بعدهم وقال الماوردي من أصحابنا : هذا مذهب الشافعي لصحة الأحاديث فيه قال وإنما نص على أنها الصبح لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر ومذهبه اتباع الحديث ويدل على صحة هذا المذهب ما روي عن علي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوم الأحزاب وفي رواية يوم الخندق «ملأ اللّه قلوبهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» وفي رواية «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» وذكر نحوه وزاد في أخرى «ثم صلاها بين المغرب والعشاء» أخرجاه في الصحيحين (م) عن ابن مسعود قال حبس المشركون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :«شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللّه أجوافهم وقبورهم نارا، أو حشا اللّه أجوافهم وقبورهم نارا» عن سمرة بن جندب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :«الصلاة الوسطى صلاة العصر» أخرجه الترمذي وله عن ابن مسعود مثله وقال في كل واحد منهما حسن صحيح (م) عن أبي يونس مولى عائشة قال أمرتني عائشة أن أكتب مصحفا وقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى قال فلما بلغتها آذنتها فأملت علي :«حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للّه قانتين» قالت عائشة سمعتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويروى عن حفصة نحو ذلك، ولأن صلاة العصر تأتي وقت اشتغال الناس بمعايشهم فكان الأمر بالمحافظة عليها أولى، ولأنها تأتي بين
صلاتي نهار وهما الفجر والظهر وصلاتي ليل و
هما المغرب والعشاء، وقد خصت بمزيد التأكيد والأمر بالمحافظة والتغليظ لمن ضيعها، ويدل على ذلك ما روي عن أبي المليح قال : كنا مع بريدة في غزوة فقال في يوم ذي غيم : بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال :«من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» أخرجه البخاري. قوله بكروا بصلاة العصر أي قدموها في أول وقتها (ق) عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :«الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» قوله : وتر أي نقص وسلب أهله وماله فبقي فردا بلا أهل ولا مال ومعنى الحديث ليكن حذره من فوت صلاة العصر كحذره من ذهاب أهله وماله. المذهب الرابع أنها صلاة المغرب قاله قبيصة بن ذؤيب، وحجة هذا المذهب أن صلاة المغرب تأتي بين بياض النهار وسواد الليل ولأنها أزيد من ركعتين كما في الصبح، وأقل من أربع، ولا تقصر في السفر وهي وتر النهار، ولأن صلاة الظهر تسمى الأولى لأن ابتداء جبريل كان بها، وإذا كانت الظهر أولى الصلوات كانت المغرب هي الوسطى. المذهب الخامس أنها صلاة العشاء ولم ينقل عن أحد من السلف فيها شيء، وإنما ذكرها بعض المتأخرين، وحجة هذا المذهب أنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران وهما المغرب والصبح ولأنها أثقل صلاة على المنافقين.
المذهب السادس أن الصلاة الوسطى هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها لأن اللّه تعالى أمر بالمحافظة على الصلوات الخمس ثم عطف عليها بالصلاة الوسطى، وليس في الآية ذكر بيانها، وإذا كان كذلك أمكن أن يقال في كل واحدة من الصلوات الخمس أنها هي الوسطى أبهمها اللّه على عباده مع ما خصها بمزيد التوكيد تحريضا لهم على المحافظة على أداء جميع الصلوات على صفة الكمال والتمام ولهذا السبب أخفى اللّه تعالى ليلة القدر في شهر رمضان وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة وأخفى اسمه الأعظم في جميع أسمائه ليحافظوا على ذلك كله. وهذا المذهب اختاره