لباب التأويل، ج ١، ص : ١٨٩
خلقه في إيجادهم وأرزاقهم وجميع ما يحتاجون إليه وقيل وهو القائم الدائم بلا زوال الموجود الذي يمتنع عليه التغير وقيل هو القائم على كل نفس بما كسبت والقيوم فيعول من القيام وهو نعت للقائم على الشيء لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ السنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمى نعاسا وهو النوم الخفيف والوسنان بين النائم واليقظان والنوم هو الثقل المزيل للعقل والقوة. وقيل : السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب فالسنة هي أول النوم والنوم هو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء والمعنى لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه نوم لأن النوم والسهو والغفلة محال على اللّه تعالى لأن هذه الأشياء عبارة عن عدم العلم وذلك نقص وآفة واللّه تعالى منزه عن النقص والآفات، وأن ذلك تغير واللّه تعالى منزه عن التغير، (م) عن أبي موسى الأشعري قال :
«قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطيبا بخمس كلمات فقال إن اللّه عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور». وفي رواية :«النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
شرح ما يتعلق بلفظ هذا الحديث منقول من شرح مسلم للشيخ محيي الدين النووي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم :«إن اللّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» فمعناه الإخبار أنه سبحانه وتعالى لا ينام وأنه مستحيل في حقه لأن النوم انغمار وغلبة على العقل يسقط به الإحساس واللّه تعالى منزه عن ذلك وقوله :«يخفض القسط ويرفعه» أراد بالقسط الميزان الذي يقع به العدل ومعناه أن اللّه تعالى يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن فيه من أعمال العباد المرتفعة إليه وقيل أراد بالقسط الرزق الذي هو قسط كل مخلوق ومعنى يخفض يقبض ويضيق على من يشاء ويرفعه أي يوسعه على من يشاء وقوله :«يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار» يعني أن الحفظة من الملائكة يصعدون بأعمال العباد في الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل قوله :«حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» سبحات بضم السين المهملة والباء الموحدة تحت وبضم التاء في آخره جمع سبحة، ومعنى سبحات وجهه نوره وجلاله وبهاؤه والحجاب أصله في اللغة المنع وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة واللّه تعالى منزه عن الجسم والحد، فالمراد به هنا الشيء المانع من الرؤية، وسمي ذلك الشيء المانع نورا أو نارا لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة، والمراد بالوجه الذات، والمراد بما انتهى إليه بصره من خلقه جميع المخلوقات لأن بصره سبحانه وتعالى محيط بجميع الكائنات ولفظة من في قوله من خلقه لبيان الجنس لا للتبعيض ومعنى الحديث لو زال المانع وهو الحجاب المسمى نورا أو نارا وتجلى لخلقه لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته هذا آخر كلام للشيخ على هذا الحديث واللّه أعلم.
وروى الطبري بسنده عن ابن عباس في قوله : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ إن موسى عليه السلام سأل الملائكة هل ينام اللّه تعالى؟ فأوحى اللّه تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام ففعلوا ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما فجعل ينعس وينتبه وهما في يده في كل يد واحدة حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما قال معمر إنما هو مثل ضربة اللّه تعالى له يقول فكذلك السموات والأرض، ورواه عن أبي هريرة مرفوعا قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحكي عن موسى على المنبر قال :«وقع في نفس موسى هل ينام اللّه» وذكر نحو حديث ابن عباس قال بعض العلماء : إن صح هذا الحديث فيحمل على أن هذا السؤال كان من جهال قوم موسى كطلب الرؤية من موسى لأن الأنبياء عليهم السلام هم أعلم باللّه من غيرهم فلا يجوز أن ينسب لموسى مثل هذا السؤال واللّه تعالى أعلم.
قوله تعالى : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني أن اللّه تعالى مالك جميع ذلك بغير شريك ولا منازع وهو خالقهم وهم عبيده وفي ملكه. فإن قلت لم قال له ما في السموات ولم يقل من في السموات؟ قلت :
لما كان المراد إضافة كل ما سواه إليه من الخلق والملك وكان الغالب فيهم من لا يعقل أجرى الغالب مجرى


الصفحة التالية
Icon