لباب التأويل، ج ٢، ص : ٢٧٦
القاسم القشيري : فيه دليل على أن الاسم هو المسمى إذ لو كان غيره لكانت الأسماء لغيره وقد قال «و للّه الأسماء الحسنى فادعوه بها» وقال الإمام فخر الدين الرازي : دلت الآية على أن الاسم غير المسمى لا تدل على أن أسماء اللّه كثيرة لأن لفظ الأسماء الجمع وهو يفيد الثلاثة فما فوقها فثبت أن أسماء اللّه كثيرة ولا شك أن اللّه واحد فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى وأيضا قوله سبحانه وتعالى : وللّه الأسماء يقتضي إضافة الأسماء إلى اللّه وإضافة الشيء إلى نفسه محال. وقال غيره : الاسم عبارة عن اللفظ الدال على الشيء المسمى به فهو غيره. وقال أهل اللغة : إنما جعل الاسم تنويها على المعنى لأن المعنى تحت الاسم والتسمية غير الاسم لأن التسمية عبارة عن وضع اللفظ المعين لتعريف ذات الشيء والاسم عبارة عن تلك اللفظة المعينة والفرق ظاهر. قال العلماء : وكما يجب تنزيه اللّه عن جميع النقائص فكذلك يجب تنزيه أسمائه أيضا وقوله سبحانه وتعالى : فَادْعُوهُ بِها يعني ادعوا اللّه بأسمائه التي سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله ففيه دليل على أن أسماء اللّه تعالى توقيفية لا اصطلاحية ومما يدل على صحة هذا القول ويؤكده أنه يجوز أن يقال يا جواد ولا يجوز أن يقال يا سخي ويجوز أن يقال يا عالم ولا يجوز أن يقال يا عاقل ويجوز أن يقال يا حكيم ولا يجوز أن يقال يا طبيب وللدعاء شرائط منها أن يعرف الداعي معاني الأسماء التي يدعو بها ويستحضر في قلبه عظمة المدعوّ سبحانه وتعالى ويخلص النية في دعائه مع كثرة التعظيم والتبجيل والتقديس للّه ويعزم المسألة مع رجاء الإجابة ويعترف اللّه سبحانه وتعالى بالربوبية وعلى نفسه بالعبودية فإذا فعل العبد ذلك عظم موقع الدعاء وكان له تأثير عظيم وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد والعدول عن الاستقامة.
وقال ابن السكيت : الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه يقال ألحد في الدين إلحادا إذا عدل عنه ومال إلى غيره. قال المحققون : الإلحاد يقع في أسماء اللّه تعالى على وجوه :
أحدها : إطلاق أسماء اللّه عز وجل على غيره وذلك أن المشركين سموا أصنامهم بالآلهة واشتقوا لها أسماء من أسماء اللّه تعالى فسموا اللات والعزى ومناة واشتقاق اللات من الإله والعزى من العزيز ومناة من المنان وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد.
الوجه الثاني : وهو قول أهل المعاني أن الإلحاد في أسماء اللّه هو تسميته بما لم يسمّ به نفسه ولم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة لأن أسماء اللّه سبحانه وتعالى كلها توقيفية كما تقدم فلا يجوز فيها غير ما ورد في الشرع بل ندعو اللّه بأسمائه التي وردت في الكتاب والسنة على وجه التعظيم.
الوجه الثالث : مراعاة حسن الأدب في الدعاء فلا يجوز أن يقال يا ضارّ يا مانع يا خالق القردة على انفراد بل يقال يا ضار يا نافع يا خالق الخلق.
الوجه الرابع : أن لا يسمي اللّه العبد باسم لا يعرف معناه فإنه ربما سماه باسم لا يليق إطلاقه على جلال اللّه سبحانه وتعالى ولا يجوز أن يسمى به لما فيه من الغرابة.
وقوله سبحانه وتعالى : سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني في الآخرة ففيه وعيد وتهديد لمن ألحد في أسماء اللّه عز وجل.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨١ الى ١٨٣]
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)
قوله عز وجل : وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يعني جماعة وعصابة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال ابن عباس : يريد أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم وهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان. قال قتادة : بلغنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قرأ هذه


الصفحة التالية
Icon