لباب التأويل، ج ٢، ص : ٤٠٤
الأبرار المخلصين وقيل معنى وتزكيهم أي تنمي أموالهم ببركة أخذها منهم.
الحكم الخامس : قوله سبحانه وتعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ يعني ادع لهم واستغفر لهم لأن أصل الصلاة في اللغة الدعاء. قال الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه : السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق فيقول :
آجرك اللّه فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. وقال بعضهم : يجب على الإمام أن يدعو للمتصدق. وقال بعضهم : يستحب ذلك. وقيل : يجب في صدقة الفرض ويستحب في صدقة التطوع. وقيل : يجب على الإمام ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي. وقال بعضهم : يستحب أن يقول اللهم صلّ على فلان. ويدل عليه ما روي عن عبد اللّه بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقة قال : اللهم صلّ عليهم فأتاه أبي بصدقته فقال «اللهم صلّ على آل أبي أوفى» أخرجاه في الصحيحين.
وقوله سبحانه وتعالى : إِنَّ صَلاتَكَ وقرئ : صلواتك على الجمع سَكَنٌ لَهُمْ يعني إن دعاءك رحمة لهم. وقال ابن عباس : طمأنينة لهم. وقيل : إن اللّه قد قبل منهم. وقال أبو عبيدة : تثبيت لقلوبهم. وقيل : إن السكن ما سكنت إليه النفس والمعنى إن صلواتك توجب سكون نفوسهم إليها والمعنى أن اللّه قد قبل توبتهم أو قبل زكاتهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ يعني لأقوالهم أو لدعائك لهم عَلِيمٌ يعني بنياتهم.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٦]
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ هذه صيغة استفهام إلا أن المقصود منه التقرير فبشر اللّه عز وجل هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم ومعنى الآية ألم يعلم الذين تابوا أن اللّه تعالى يقبل التوبة الصادقة والصدقة الخالصة. وقيل : إن المراد بهذه الآية غير التائبين ترغيبا لهم في التوبة وبذل الصدقات وذلك أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين : هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما بالهم اليوم فأنزل اللّه هذه الآية ترغيبا لهم في التوبة. وقوله سبحانه وتعالى عن عباده قيل : لا فرق بين عن عباده ومن عباده إذ لا فرق بين قولك أخذت هذا العلم عنك أو منك. وقيل : بينهما فرق ولعل عن في هذا الموضع أبلغ لأن فيه تبشيرا بقبول التوبة مع تسهيل سبيلها وقوله سبحانه وتعالى : وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ يعني يقبلها ويثيب عليها وإنما ذكر لفظ الأخذ ترغيبا في بذل الصفقة وإعطائها الفقراء وقيل معنى أخذ اللّه الصدقات تضمنه الجزاء عليها.
ولما كان هو المجازي عليها والمثيب بها، أسند الأخذ إلى نفسه وإن كان الفقير أو السائل هو الآخذ لها وفي هذا تعظيم أمر الصدقات وتشريفها وأن اللّه تعالى يقبلها من عبده المتصدق (ق).
عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :«ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب ولا يقبل اللّه إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله» لفظ مسلم. وفي البخاري :«من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى اللّه إلا الطيب». وفي رواية :«و لا يقبل اللّه إلا الطيب فإن اللّه يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» وأخرجه الترمذي ولفظه :«إن اللّه سبحانه وتعالى يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى اللقمة لتصير مثل جبل أحد» وتصديق ذلك في كتاب اللّه سبحانه وتعالى : أَلَمْ يَعْلَمُوا


الصفحة التالية
Icon