لباب التأويل، ج ٢، ص : ٤٠٩
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٠ الى ١١١]
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً يعني شكا ونفاقا فِي قُلُوبِهِمْ والمعنى : أن ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم، لأن المنافقين فرحوا ببناء مسجدهم، فلما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتخريبه، ثقل ذلك عليهم وازدادوا غما وحزنا وبغضا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكان سبب الريبة في قلوبهم. وقيل : إنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في بنائه كما حبب العجل إلى بني إسرائيل فلما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتخريبه، بقوا شاكّين مرتابين لأي سبب أمر بتخريبه. وقال السدي : لا يزال هدم بنيانهم ريبة أي حرارة وغيظا في قلوبهم إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ أي تجعل قلوبهم قطعا وتفرق أجزاء إما بالسيف وإما بالموت. والمعنى : أن هذه الريبة باقية في قلوبهم إلى أن يموتوا عليها وَاللَّهُ عَلِيمٌ يعني بأحوالهم وأحوال جميع عباده حَكِيمٌ يعني فيما حكم به عليهم. قوله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ الآية قال محمد بن كعب القرظي : لما بايعت الأنصار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلا قال عبد اللّه بن رواحة : اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا إذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال : الجنة. قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ قال ابن عباس : بالجنة.
قال أهل المعاني لا يجوز أن يشتري اللّه شيئا هو له في الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والأشياء كلها ملك اللّه عز وجل، ولهذا قال الحسن : أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رزقنا إياها لكن جرى هذا مجرى التلطف في الدعاء إلى الطاعة والجهاد، وذلك لأن المؤمن إذا قاتل في سبيل اللّه حتى يقتل أو أنفق ماله في سبيل اللّه عوّضه اللّه الجنة في الآخرة جزاء لما فعل في الدنيا فجعل ذلك استبدالا واشتراء فهذا معنى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة والمراد باشتراء الأموال إنفاقها في سبيل اللّه وفي جميع وجوه البر والطاعة يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذا تفسير لتلك المبايعة. وقيل : فيه معنى الأمر أي قاتلوا في سبيل اللّه فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ يعني : فيقتلون أعداء اللّه ويقتلون في طاعته وسبيله وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا يعني ذلك الوعد بأن لهم الجنة وعدا على اللّه حقا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ يعني أن هذا الوعد الذي وعده اللّه تعالى للمجاهدين في سبيله قد أثبته في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن وفيه دليل على أن الأمر بالجهاد موجود في جميع الشرائع ومكتوب على جميع أهل الملل وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ يعني لا أحد أوفى بالعهد من اللّه فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ فاستبشروا أيها المؤمنون بهذا البيع الذي بايعتم اللّه به وَذلِكَ يعني هذا البيع هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لأنه رابح في الآخرة. قال عمر بن الخطاب : إن اللّه بايعك وجعل الصفقتين لك وقال الحسن : اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع اللّه بها كل مؤمن وعنه قال : إن اللّه سبحانه وتعالى أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها. وقال قتادة : ثامنهم فأغلى لهم.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٢ الى ١١٣]
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣)
قوله سبحانه وتعالى : التَّائِبُونَ قال الفراء : استؤنف لفظ التائبون بالرفع لتمام الآية الأولى وانقطاع الكلام.


الصفحة التالية
Icon