لباب التأويل، ج ٢، ص : ٤١١
إذا وفوا اللّه تعالى بعهده فإنه موف لهم بما وعدهم من إدخال الجنة. وقيل : وبشر من فعل هذه الأفعال التسع وهو قوله تعالى التائبون إلى آخر الآية بأن له الجنة وإن لم يغز.
قوله عز وجل : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى الآية واختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية فقال قوم : نزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلى اللّه عليه وسلم والد علي وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أراد أن يستغفر له بعد موته فنهاه اللّه عن ذلك ويدل على ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حزن «قال لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة فقال أي عم قل لا إله إلا اللّه كلمة أحاجّ لك بها عند اللّه فقال أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة : أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان لتلك المقالة حتى قالوا : أبو طالب آخر ما كلمهم أنا على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا اللّه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واللّه لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل اللّه تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى وأنزل اللّه في أبي طالب «إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء» أخرجاه في الصحيحين.
فإن قلت قد استبعد بعض العلماء نزول هذه الآية في شأن أبي طالب وذلك أن وفاته كانت بمكة أول الإسلام ونزول هذه السورة بالمدينة وهي من آخر القرآن نزولا.
«قلت الذي نزل في أبي طالب قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» كما في الحديث فيحتمل أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يستغفر له في بعض الأوقات إلى أن نزلت هذه الآية فمنع من الاستغفار واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه (م).
عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعمه عند الموت :«قل لا إله إلا اللّه أشهد لك بها يوم القيامة فأبى فأنزل اللّه إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء» الآية وفي رواية قال :«لولا تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل اللّه» الآية» (ق).
«عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذكر عنده عمه طالب فقال «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلى منه أم دماغه» وفي رواية :«يغلى منه دماغه من حرارة نعليه» (ق) عن العباس بن عبد المطلب عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :«قلت يا رسول اللّه ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال : هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» وفي رواية قال قلت يا رسول اللّه إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك قال «نعم وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح» وقال أبو هريرة وبريدة «لما قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين» الآية وروى الطبري بسنده عن بريدة :«أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قال وأكثر ظني أنه قال قبر أمه فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا فقلنا : يا رسول اللّه إنا رأينا ما صنعت قال إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يؤذن لي فما رؤي باكيا أكثر من يومئذ».
وحكى ابن الجوزي «عن بريدة قال إن النبي صلى اللّه عليه وسلم مر بقبر أمه فتوضأ وصلى ركعتين ثم بكى فبكى الناس لبكائه ثم انصرف إليهم فقالوا : ما أبكاك؟ قال : مررت بقبر أمي فصليت ركعتين ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها فنهيت فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين فاستأذنت ربي أن أستغفر لها فزجرت زجرا فأبكاني ثم دعا براحلته فركبها فما سار إلا هنيهة حتى قامت الناقة لثقل الوحي فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى» الآية (ق) «عن أبي هريرة قال زار النبي صلى اللّه عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت