لباب التأويل، ج ٢، ص : ٤٢٢
كافة فلولا يعني فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة للجهاد وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم الذين نفروا إلى الجهاد إذا رجعوا إليهم من غزوهم لعلهم يحذرون يعني مخالفة أمر اللّه وأمر رسوله وهذا معنى قول قتادة. وقيل : إن التفقه صفة للطائفة النافرة قال الحسن : ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم اللّه من الظهور على المشركين والنصرة وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ومعنى ذلك أن الفرقة النافرة إذا شاهدوا نصر اللّه لهم على أعدائهم وأن اللّه يريد إعلاء دينه وتقوية نبيه صلى اللّه عليه وسلم وأن الفئة القليلة قد غلبت جمعا كثيرا، فإذا رجعوا من ذلك النفير إلى قومهم من الكفار، أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لهم لعلهم يحذرون فيتركوا الكفر والنفاق وأورد على هذا القول أن هذا النوع لا يعد تفقها في الدين ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا علموا أن اللّه هو ناصرهم ومقويهم على عدوهم كان ذلك زيادة في إيمانهم فيكون ذلك فقها في الدين. وأما الاحتمال الثاني :
وهو أن يقال إن هذه الآية كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد وهو ما ذكرناه عن مجاهد أن ناسا من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم خرجوا إلى البوادي فأصابوا معروفا ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال الناس لهم : ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجا فأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه هذه الآية والمعنى هلا نفر من كل فرقة طائفة وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ويبلغوا ذلك إلى النافرين لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون يعني بأس اللّه ونقمته إذا خالفوا أمره في الآية دليل على أنه يجب أن يكون المقصود من العلم والتفقه دعوة الخلق إلى الحق وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم فكل من تفقه وتعلم بهذا القصد كان المنهج القويم والصراط المستقيم ومن عدل عنه وتعلم العلم لطلب الدنيا كان من الأخسرين أعمالا الآية (ق).
عن معاوية قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول «من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطى اللّه ولم يزل أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة وحتى يأتي أمر اللّه» (ق).
عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم «تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». عن ابن عباس : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :«فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد». أخرجه الترمذي وأصل الفقه في اللغة الفهم يقال فقه الرجل إذا فهم وفقه فقاهة إذا صار فقيها. وقيل : الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم وفي الاصطلاح الفقه عبارة عن العلم بأحكام الشرائع وأحكام الدين وذلك ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية ففرض العين معرفة أحكام الطهارة وأحكام الصلاة والصوم فعلى كل مكلف معرفة ذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم :«طلب العلم فريضة على كل مسلم» ذكره البغوي بغير سند وكذلك كل عبادة وجبت على المكلف بحكم الشرع يجب عليه معرفة علمها مثل علم الزكاة إذا صار له مال يجب في مثله الزكاة وعلم أحكام الحج إذا وجب عليه.
وأما فرض الكفاية من الفقه، فهو أن يتعلم حتى يبلغ رتبة الاجتهاد ودرجة الفتيا وإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا وإذا قام به من كل بلد واحد فتعلم حتى بلغ درجة الفتيا سقط الفرض عن الباقين وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث.
عن أبي أمامة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :«فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» أخرجه الترمذي مع زيادة فيه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل اللّه له طريقا إلى الجنة» أخرجه الترمذي عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :«من خرج في طلب العلم فهو في سبيل اللّه حتى يرجع» أخرجه الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :«العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة» أخرجه أبو داود.


الصفحة التالية
Icon