البحر المحيط، ج ١، ص : ٤٠٥
الإخبار عن اللّه تعالى بما لم يخبر به اللّه إنما يكون ذلك من الجهل باللّه تعالى. وقوله : من الجاهلين، فيه تصريح أن ثم جاهلين، واستعاذ باللّه أن يكون منهم، وفيه تعريض أنهم جاهلون، وكأنه قال : أن أكون منكم، لأنهم جوّزوا على من هو معصوم من الكذب، وخصوصا في التبليغ، عن اللّه أن يخبر عن اللّه بالكذب. قالوا : والجهل بسيط، ومركب البسيط : عام وخاص. العام : عدم العلم بشيء من المعلومات، والخاص : عدم العلم ببعض المعلومات، والمركب : أن يجهل، ويجهل أنه يجهل. فالعام والمركب لا يوصف بهما من له بعض علم، فضلا عن نبي شرف بالرسالة والتكليم، وذلك مستحيل عليه، فيستحيل أن يستعيذ منه إلا على سبيل الأدب. فالذي استعاذ منه موسى هو خاص، وهو المفضي إلى أن يخبر عن اللّه تعالى مستهزئا، أو المقابل لجهلهم. فقالوا : أتتخذنا هزوا لمن يخبرهم عن اللّه، أو معناه الاستهزاء بالمؤمنين. فإن ذلك جهل، أو من الجاهلين بالجواب، لا على وفق السؤال، إذ ذاك جهل، والأمر من تلقاء نفسي، وأنسبه إلى اللّه، والخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء، فإن ذلك جهل. وهذه الوجوه الستة مستحيلة على موسى. قيل : وإنما استعاذ منها بطريق الأدب، كما استعاذ نوح عليه السلام أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ «١»، وكما في : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وإنما قالوا ذلك بطريق الأدب مع اللّه والتواضع له.
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، لما قال لهم موسى : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، وعلموا أن ما أخبرهم به موسى من أمر اللّه إياهم بذبح البقرة كان عزيمة وطلبا، جاز ما قالوا له ذلك، وهذا القول أيضا فيه تعنيت منهم وقلة طواعية، إذ لو امتثلوا فذبحوا بقرة، لكانوا قد أتوا بالمأمور، ولكن شدّدوا، فشدد اللّه عليهم، قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما. وكسر العين من ادع لغة بني عامر، وقد سبق ذكر ذلك في فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا «٢»، وجزم يبين على جواب الأمر. وما هي : مبتدأ وخبر. وقرأ عبد اللّه : سل لنا ربك يبين ما هي، ومفعول يبين : هي الجملة من المبتدأ والخبر، والفعل معلق، لأن معنى يبين لنا يعلمنا ما هي، لأن التبيين يلزمه الإعلام، والضمير في هي عائد على البقرة السابق ذكرها، وكأنهم قالوا : يبين لنا ما البقرة التي أمرنا بذبحها، ولم يريدوا تبيين ماهية البقرة، وإنما هو سؤال عن الوصف، فيكون على حذف مضاف، التقدير : ما صفتها؟ ولذلك أجيبوا بالوصف، وهو قوله : لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ. وإنما سألوا على طريق التعنت، كما

_
(١) سورة هود : ١١/ ٤٧.
(٢) سورة البقرة : ٢/ ٦١.


الصفحة التالية
Icon