البحر المحيط، ج ١، ص : ٤٠٨
وقال سعيد بن جبير : صفراء القرن والظلف خاصة. فاقِعٌ : أي شديد الصفرة، قاله ابن عباس والحسن أو الخالص الصفرة، قاله قطرب، أو الصافي، قاله أبو العالية وقتادة. لَوْنُها : ذكروا في إعرابه وجوها : أحدها : أنه فاعل مرفوع بفاقع، وفاقع صفة للبقرة. الثاني : أنه مبتدأ وخبره فاقع. والثالث : أنه مبتدأ، وتَسُرُّ النَّاظِرِينَ خبر. وأنث على أحد معنيين : أحدهما : لكونه أضيف إلى مؤنث، كما قالوا : ذهبت بعض أصابعه.
والثاني : أنه يراد به المؤنث، إذ هو الصفرة، فكأنه قال : صفرتها تسر الناظرين، فحمل على المعنى كقولهم : جاءته كتابي فاحتقرها، على معنى الصحيفة والوجه الإعراب الأوّل، لأن إعراب لونها مبتدأ، وفاقع خبر مقدّم لا يجيزه الكوفيون، أو تسرّ الناظرين خبره، فيه تأنيث الخبر، ويحتاج إلى تأويل، كما قررناه. وكون لونها فاعلا بفاقع جار على نظم الكلام، ولا يحتاج إلى تقديم، ولا تأخير، ولا تأويل، ولم يؤنث فاقعا وإن كان صفة لمؤنث، لأنه رفع السبي، وهو مذكر فصار نحو : جاءتني امرأة حسن أبوها، ولا يصح هنا أن يكون تابعا لصفراء على سبيل التوكيد، لأنه يلزم المطابقة، إذ ذاك للمتبوع. ألا ترى أنك تقول أسود حالك، وسوداء حالكة، ولا يجوز سوداء حالك؟ فأمّا قوله :
وإني لأسقي الشرب صفراء فاقعا كأن ذكي المسك فيها يفتق
فبابه الشعر، إذا كان وجه الكلام صفراء فاقعة، وجاء صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها، ولم يكتف بقوله : صفراء فاقعة، لأنه أراد تأكيد نسبة الصفرة، فحكم عليها أنها صفراء، ثم حكم على اللون أنه شديد الصفرة، فابتدأ أوّلا بوصف البقرة بالصفرة، ثم أكد ذلك بوصف اللون بها، فكأنه قال : هي صفراء، ولونها شديد الصفرة. فقد اختلفت جهتا تعلق الصفرة لفظا، إذ تعلقت أوّلا بالذات، ثم ثانيا بالعرض الذي هو اللون، واختلف المتعلق أيضا، لأن مطلق الصفرة مخالف لشديد الصفرة، ومع هذا الاختلاف الظاهر فلا يحتاج ذلك إلى التوكيد. قال الزمخشري : فإن قلت، فهلا قيل : صفراء فاقعة؟ وأي فائدة في ذلك اللون؟
قلت : الفائدة فيه التوكيد، لأن اللون اسم للهيئة، وهي الصفرة، فكأنه قيل : شديد الصفرة صفرتها، فهو من قولك : جد جده، وجنونك جنون. اه كلامه. وقال وهب : إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
تَسُرُّ النَّاظِرِينَ : أي تبهج الناظرين إليها من سمنها ومنظرها ولونها. وهذه الجملة صفة للبقرة، وقد تقدّم قول من جعلها خبرا، كقوله : لونها، وفيه تكلف قد ذكرناه. وجاء هذا الوصف بالفعل، ولم يجىء باسم الفاعل، لأن الفعل يشعر بالحدوث والتجدّد. ولما


الصفحة التالية
Icon