البحر المحيط، ج ١، ص : ٤١٣
النظر في كتابه، بل قد أجاز سيبويه في كتابه، في مواضع مجيء الحال من النكرة، وإن لم توصف، وإن كان الاتباع هو الوجه والأحسن، قال سيبويه في باب ما لا يكون الاسم فيه إلا نكرة، وقد يجوز نصبه على نصب : هذا رجل منطلقا، يريد على الحال من النكرة، ثم قال : وهو قول عيسى، ثم قال : وزعم الخليل أن هذا جائز، ونصبه كنصبه في المعرفة جعله حالا، ولم يجعله صفة، ومثل ذلك : مررت برجل قائما، إذا جعلت المرور به في حال قيام، وقد يجوز على هذا : فيها رجل قائما، ومثل ذلك : عليه مائة بيضاء، والرفع الوجه، وعليه مائة دينا، الرفع الوجه، وزعم يونس أن ناسا من العرب يقولون : مررت بماء قعدة رجل، والوجه الجر، وكذلك قال سيبويه في باب ما ينتصب، لأنه قبيح أن يكون صفة فقال : راقود خلا وعليك نحى سمنا، وقال في باب نعم، فإذا قلت لي عسل ملء جرة، وعليه دين شعر كلبين، فالوجه الرفع، لأنه صفة، والنصب يجوز كنصبه، عليه مائة بيضاء، فهذه نصوص سيبويه، ولو كان ذلك غير جائز، كما قال ابن عطية، لما قاسه سيبويه، لأن غير الجائز لا يقال به فضلا عن أن يقاس، وإن كان الاتباع للنكرة أحسن، وإنما امتنعت في هذه المسألة، لأن ما ذهب إليه أبو محمد هو قول الضعفاء في صناعة الإعراب، الذين لم يطلعوا على كلام الإمام.
وأجاز بعض المعربين أن يكون : تثير الأرض، في موضع الحال من الضمير المستكن في ذلول تقديره : لا تذل في حال إثارتها، والوجه ما بدأنا به أولا، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : لا ذلول، بالفتح. قال الزمخشري بمعنى لا ذلول هناك، أي حيث هي، وهو نفي لذلها، ولأن توصف به فيقال : هي ذلول، ونحوه قولك : مررت بقوم لا بخيل ولا جبان، أي فيهم، أو حيث هم. انتهى كلامه. فعلى ما قدره يكون الخبر محذوفا، ويكون قوله : تثير الأرض، صفة لاسم لا، وهي منفية من حيث المعنى، ولذلك عطف عليها جملة منفية، وهو قوله : ولا تسقي الحرث. وإذا تقرر هذا، فلا يجوز أن تكون تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ خبرا، لأنه كان يتنافر هذا التركيب مع ما قبله، لأن قوله :
يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ يبقى كلاما منفلتا مما بعده، إذ لا تحصل به الإفادة إلا على تقدير أن تكون هذه الجملة معترضة بين الصفة والموصوف، ويكون محط الخبر هو قوله : مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها، لأنها صفة في اللفظ، وهي الخبر في المعنى، ويكون ذلك الاعتراض من حيث المعنى نافيا ذلة هذه البقر، إذ هي فرد من أفراد الجنس المنفي بلا الذي بني معها، ولا يجوز أن تقع هذه الجملة أعني لا ذلول، على قراءة السلمي، في موضع الصفة على


الصفحة التالية
Icon