البحر المحيط، ج ١، ص : ٤٦٣
وهو الأفصح، لأن قبله موجب. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ : إلا قليل، بالرفع. وقرأ بذلك أيضا قوم، قال ابن عطية : وهذا على بدل قليل من الضمير في توليتم، وجاز ذلك، يعني البدل، مع أن الكلام لم يتقدم فيه نفي، لأن توليتم معناه النفي، كأنه قال : لم يفوا بالميثاق إلا قليل، انتهى كلامه. والذي ذكر النحويون أن البدل من الموجب لا يجوز، لو قلت : قام القوم إلا زيد، بالرفع على البدل، لم يجز، قالوا : لأن البدل يحلّ محلّ المبدل منه، فلو قلت : قام إلا زيد، لم يجز لأن إلا لا تدخل في الموجب. وأما ما اعتلّ به من تسويغ ذلك، لأن معنى توليتم النفي، كأنه قيل : لم يفوا إلا قليل، فليس بشيء، لأن كل موجب، إذا أخذت في نفي نقيضه أو ضدّه، كان كذلك، فليجز : قام القوم إلا زيد، لأنه يؤوّل بقولك :
لم تجلسوا إلا زيد. ومع ذلك لم تعتبر العرب هذا التأويل، فتبني عليه كلامها، وإنما أجاز النحويون : قام القوم إلا زيد بالرفع، على الصفة. وقد عقد سيبويه في ذلك بابا في كتابه فقال : هذا باب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفا بمنزلة غير ومثل. وذكر من أمثلة هذا الباب :
لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، ولَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.
وقليل بها الأصوات إلا بغامها وسوى بين هذا، وبين قراءة من قرأ : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «١»، برفع غير، وجوّز في نحو : ما قام القوم إلا زيد، بالرفع البدل والصفة، وخرّج على ذلك قول عمرو بن معدي كرب :
وكلّ أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان
قال : كأنه قال : وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، كما قال الشماخ :
وكل خليل غيرها ضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارز
ومما أنشده النحويون :
لدم ضائع نأت أقربوه عنه إلا الصبا وإلا الجنوب
وأنشدوا أيضا :
وبالصريمة منهم منزل خلق عاف تغير إلا النؤى والوتد
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور : ويخالف الوصف بإلا الوصف بغيره، من حيث

_
(١) سورة النساء : ٤/ ٩٥.


الصفحة التالية
Icon