البحر المحيط، ج ٢، ص : ٥٨١
المعجز، وهو سبب لاستقرار قلوبهم، واطمئنان نفوسهم ونسبة الإتيان إلى التابوت مجاز لأن التابوت لا يأتي، إنما يؤتى به، كقوله : فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ «١» فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ «٢».
وقرأ الجمهور : التابوت بالتاء وقرأ أبيّ وزيد : بالهاء، وهي لغة الأنصار، وقد تقدم الكلام في هذه الهاء أهي بدل من التاء؟ أم أصل؟ قال ابن عباس، وابن السائب : كان التابوت من عود الشمشار، وهو خشب تعمل منه الأمشاط، وعليه صفائح الذهب، وقيل :
كانت الصفائح مموّهة بالذهب، وكان طوله ثلاثة أذرع في ذراعين، وقد كثر القصص في هذا التابوت والاختلاف في أمره، والذي يظهر أنه تابوت معروف حاله عند بني إسرائيل، كانوا قد فقدوه وهو مشتمل على ما ذكره اللّه تعالى مما أبهم حاله، ولم ينص على تعيين ما فيه، وأن الملائكة تحمله، ونحن نلم بشيء مما قاله المفسرون والمؤرخون على سبيل الإيجاز، فذكروا : أن اللّه تعالى أنزل تابوتا على آدم فيه صور الأنبياء، وبيوت بعددهم، وآخره بيت محمد صلى اللّه عليه وسلم، فتناقله بعده، أولاده شيث فمن بعده إلى ابراهيم، ثم كان عند إسماعيل، ثم عند ابنه قيدار، فنازعه إياه بنو عمه أولاد إسحاق، وقالوا له : وقد صرفت النبوّة عنكم إلّا هذا النور الواحد، فامتنع عليهم، وجاء يوما يفتحه فتعسر، فناداه مناد من السماء لا يفتحه إلّا نبي، فادفعه إلى ابن عمك يعقوب، فحمله على ظهره إلى كنعان، فدفعه ليعقوب، فكان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى عليه السلام، فوضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، ثم توارثها أنبياء بني إسرائيل إلى أن وصل إلى شمويل، فكان فيه ما ذكره اللّه في كتابه.
وقيل : اتخذ موسى التابوت ليجمع فيه رضاض الألواح.
والسكينة : هي الطمأنينة ولما كانت حاصلة بإتيان التابوت، جعل التابوت ظرفا لها، وهذا من المجاز الحسن، وهو تشبيه المعاني بالإحرام، وجاء
في حديث عمران بن حصين أنه كان يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة، فغشيته سحابة، فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم، فذكر ذلك له فقال :«تلك السكينة تنزلت للقرآن».
وفي حديث أسيد بن حضير، بينما هو ليلة يقرأ في مربده الحديث، وفيه : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :«تلك الملائكة كانت تسمع لذلك، ولو قرأت لأصبحت تراها الناس ما
(١) سورة محمد : ٤٧/ ٢١.
(٢) سورة البقرة : ٢/ ١٦. [.....]