البحر المحيط، ج ٢، ص : ٧١٢
عليه فيما أخذه قبل التحريم، واحتمل أن يكون قوله : ما سلف، أي : ما تقدّم العقد عليه، فلا فرق بين المقبوض منه وبين ما في الذمة، وإنما يمنع إنشاء عقد ربوي بعد التحريم، أزال تعالى هذا الاحتمال بأن أمر بترك ما بقي من الربا في العقود السابقة، قبل التحريم، وأن ما بقي في الذمة من الربا هو كالمنشأ بعد التحريم، وناداهم باسم الإيمان تحريضا لهم على قبول الأمر بترك ما بقي من الربا، وبدأ أولا بالأمر بتقوى اللّه، إذ هي أصل كل شيء، ثم أمر ثانيا بترك ما بقي من الربا.
وفتحت عين : وذروا، حملا على : دعوا، وفتحت عين : دعوا، حملا على : يدع، وفتحت في يدع، وقياسها الكسر، إذ لامه حرف حلق وقرأ الحسن : ما بقا، بقلب الياء ألفا، وهي لغة لطيء، ولبعض العرب. وقال علقمة بن عبدة التميمي :
زها الشوق حتى ظل إنسان عينه يفيض بمغمور من الماء متأق
وروي عنه أيضا أنه قرأ : ما بقي، بإسكان الياء وقال الشاعر :
لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقي على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا
وقال جرير :
هو الخليفة فارضوا ما رضى لكم ماضي العزيمة ما في حكمه جنف
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تقدّم أنهم مؤمنون بخطاب اللّه تعالى لهم : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وجمع بينهما بأنه شرط مجازي على جهة المبالغة، كما تقول لمن تريد إقامة نفسه :
إن كنت رجلا فافعل كذا! قاله ابن عطية، أو بأن المعنى : إن صح إيمانكم، يعني أن دليل صحة الإيمان وثباثه امتثال ما أمرتم به من ذلك، قاله الزمخشري، وفيه دسيسه اعتزال، لأنه إذا توقفت صحة الإيمان على ترك هذه المعصية فلا يجامعها الصحة مع فعلها، وإذا لم يصح إيمانه لم يكن مؤمنا، وهو مدعى المعتزلة. وقيل : ان بمعنى إذ أي إذ كنتم مؤمنين قاله مقاتل بن سليمان، وهو قول لبعض النحويين، أن : إن، تكون بمعنى : إذ، وهو ضعيف مردود ولا يثبت في اللغة، وقيل : هو شرط يراد به الاستدامة، وقيل : يراد به الكمال، وكأن الإيمان لا يتكامل إذا أصرّ الإنسان على كبيرة، وإنما يصير مؤمنا بالإطلاق إذا اجتنب الكبائر، هذا وإن كانت الدلائل قد قامت على أن حقيقة الإيمان لا يدخل العمل في مسماها، وقيل : الإيمان متغاير بحسب متعلقه، فمعنى الأول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم. ومعنى الثاني : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بقلوبكم.


الصفحة التالية
Icon