البحر المحيط، ج ٣، ص : ٢٣٦
قيل : ويجوز أن يكون معطوفا على ما تقدم من لفظ إذ، والعامل فيها : اصطفى، وهذا بعيد جدا.
وظاهر الكلام يدل على أن اللّه هو الآخذ ميثاق النبيين.
فروي عن عليّ، وابن عباس، وطاووس، والحسن، والسدّي : أن الذين أخذ ميثاقهم هم الأنبياء دون أممهم، أخذ عليهم أن يصدّق بعضهم بعضا، وأن ينصر بعضهم بعضا، ونصرة كل نبي لمن بعده توصية من آمن به أن ينصره إذا أدرك زمانه.
وينبو عن هذا المعنى لفظ : ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ إلى آخر الكلام.
وقال ابن عباس أيضا فيما روي عنه : أخذ ميثاق النبيين وأممهم على الأيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ونصره، واجتزأ بذكر النبيين من ذكر أممها لأن الأمم أتباع للأنبياء، ويدل عليه
قول عليّ كرّم اللّه وجهه : ما بعث اللّه نبيا إلّا أخذ عليه العهد في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وأمره بأخذ العهد على قومه فيه بأن يؤمنوا به وينصروه إن أدركوا زمانه.
وروي عن ابن عباس أيضا : أنه تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه أخذ الميثاق على جميع المرسلين أن يقروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم.
وعلى هذين القولين يكون قوله : ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ عنى به واحد وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا يكون جنسا. ويبعد قول ابن عباس : أن الميثاق كان حين أخرجهم من ظهر آدم كالذر.
قرأ حمزة : لما آتيناكم، لأن الظاهر أن ذلك كان بعد إيتاء الكتاب والحكمة.
و : ميثاق، مضاف إلى النبيين، فيحتمل أن يكون النبيون هم الموثقون للعهد على أممهم، ويحتمل أن يكونوا هم الموثق عليهم، والذي يدل عليه ما قبل الآية من قوله : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ «١» الآية وما بعدها من قوله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً «٢» أن المراد بقوله ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ولذلك جاء مصدقا لما معكم. وكثيرا ما وصف بهذا الوصف في القرآن رسولنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ألا ترى إلى قوله وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ «٣»؟ وكذلك وصف كتابه بأنه مصدق لما في كتبهم، وإذا تقرر هذا كان المجاز في صدر الآية فيكون على حذف مضاف أي : وإذ أخذ اللّه ميثاق أتباع النبيين من أهل الكتاب، أو ميثاق أولاد النبيين، فيوافق صدر الآية ما بعدها، وجعل ذلك

_
(١) سورة آل عمران : ٣/ ٧٩.
(٢) سورة آل عمران : ٣/ ٨٥.
(٣) سورة البقرة : ٢/ ١٠١.


الصفحة التالية
Icon