البحر المحيط، ج ٣، ص : ٦٦٩
المعنى : من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو على الذين أوتوا الكتاب على طريق الالتفات، وهذا عندي أحسن. ومحسن هذا الالتفات هو أنه تعالى لما ناداهم كان ذلك تشريفا لهم، وهز السماع ما يلقيه إليهم، ثم ألقى إليهم الأمر بالإيمان بما نزل، ثم ذكر أنّ الذي نزل هو مصدق لما معهم من كتاب، فكان ذلك أدعى إلى الإيمان، ثم ذكر هذا الوعيد البالغ فحذف المضاف إليه من قوله : من قبل أن نطمس وجوها والمعنى : وجوهكم، ثم عطف عليه قوله : أو نلعنهم، فأتى بضمير الغيبة، لأن الخطاب حين كان الوعيد بطمس الوجوه وباللعنة ليس لهم ليبقى التأنيس والهم والاستدعاء إلى الإيمان غير مشوب بمفاجأة الخطاب الذي يوحش السامع ويروع القلب ويصير أدعى إلى عدم القبول، وهذا من جليل المخاطبة. وبديع المحاورة.
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا الأمر هنا واحد الأمور، واكتفى به لأنه دال على الجنس، وهو عبارة عن المخلوقات : كالعذاب، واللعنة، والمغفرة. وقيل : المراد به المأمور، مصدر وقع موقع المفعول، والمعنى : الذي أراده أوجده. وقيل : معناه أنّ كل أمر أخر تكوينه فهو كائن لا محالة والمعنى : أنه تعالى لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله. وقال :
وكان إخبارا عن جريان عادة اللّه في تهديده الأمم السالفة، وأنّ ذلك واقع لا محالة، فاحترزوا وكونوا على حذر من هذا الوعيد. ولذلك قال الزمخشري : ولا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا يعني : الطمس واللعنة.
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
قال ابن الكلبي : نزلت في وحشي وأصحابه، وكان جعل له على قتل حمزة رضي اللّه عنه أن يعتق، فلم يوف له، فقدم مكة وندم على الذي صنعه هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنا قد ندمنا على ما صنعنا، وليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول بمكة : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ «١» الآيات وقد دعونا مع اللّه إلها آخر، وقتلنا النفس التي حرم اللّه، وزنينا، فلو لا هذه الآيات لاتبعناك، فنزلت : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ «٢» الآيات، فبعث بها إليهم فكتبوا : إن ّ هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا، فنزلت إن اللّه لا يغفر أن يشرك به الآية، فبعث بها إليهم، فبعثوا إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته، فنزلت :
(١) سورة الفرقان : ٢٥/ ٦٨.
(٢) سورة مريم : ١٩/ ٦٠.