البحر المحيط، ج ٣، ص : ٧٠٧
فعلهم. وقال الزجاج : هذه الجملة اعتراض، أخبر تعالى بذلك لأنهم كانوا يوادون المؤمنين. وقال أيضا، وتبعه الماتريدي هذا على التقديم والتأخير تقديره : فإن أصابتكم مصيبة قال : قد أنعم اللّه عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، ولئن أصابكم فضل من اللّه. قال الراغب : وذلك مستقبح، فإنه لا يفصل بين بعض الجملة وبعض ما يتعلق بجملة أخرى. وقال أيضا : وتبعه أبو البقاء : موضع الجملة نصب على الحال كما تقول : مررت بزيد وكأن لم يكن بينك وبينه معرفة، فضلا عن مودة. وقال أبو علي الفارسي : هذه الجملة من قول المنافقين الذين أقعدوهم عن الجهاد وخرجوا هم، كأن لم تكن بينكم وبينه أي : وبين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مودة فيخرجكم معهم لتأخذوا من الغنيمة، ليبغضوا بذلك الرسول إليهم. وتبع أبو علي في ذلك مقاتلا. قال مقاتل : معناه كأنه ليس من أهل ملتكم ولا مودة بينكم، يريد : أنّ المبطئ قال لمن تخلف عن الغزو من المنافقين وضعفة المؤمنين، ومن تخلف بإذن كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة فيخرجكم إلى الجهاد، فتفوزون بما فاز. وقال أبو عبد اللّه الرازي : هو اعتراض في غاية الحسن، لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه، وحزن عند حزنه، فإذا قلب القضية فذلك إظهار للعداوة. فنقول :
حكى تعالى عن المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاتته الغنيمة، فقبل أن يذكر الكلام بتمامه ألقى قوله : كأن لم يكن بينكم وبينه، والمراد التعجب. كأنه يقول تعالى : انظروا إلى ما يقوله هذا المنافق، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة أيها المؤمنون ولا مخالطة أصلا، فهذا هو المراد من الكلام.
وقال قتادة وابن جريج : قول المنافق : يا ليتني كنت معهم على معنى الحسد منه للمؤمنين في نيل رغبته.
وتلخص من هذه الأقوال أن هذه الجملة : إمّا أن يكون لها موضع من الإعراب نصب على الحال من الضمير المستكن في ليقولن، أو نصب على المفعول بيقولن على الحكاية، فيكون من جملة المقول، وجملة المقول هو مجموع الجملتين : جملة التشبيه، وجملة التمني. وضمير الخطاب للمتخلفين عن الجهاد، وضمير الغيبة في وبينه للرسول. وعلى الوجه الأول ضمير الخطاب للمؤمنين، وضمير الغيبة للقائل. وإمّا أن لا يكون لها موضع من الإعراب لكونها اعتراضا في الأصل بين جملة الشرط وجملة القسم وأخرت، والنية بها التوسط بين الجملتين. أو لكونها اعتراضا بين : ليقولن ومعموله الذي هو جملة التمني، وليس اعتراضا يتعلق بمضمون هذه الجملة المتأخرة، بل يتعلق بمضمون الجملتين،