البحر المحيط، ج ٣، ص : ٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ هذه السورة، سورة آل عمران، وتسمى : الزهراء، والأمان، والكنز، والمعينة، والمجادلة، وسورة الاستغفار وطيبة. وهي : مدنية الآيات ستين، وسبب نزولها فيما ذكره الجمهور :
أنه وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكبا، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم، أميرهم : العاقب عبد المسيح، وصاحب رحلهم : السيد الأيهم، وعالمهم : أبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائل. وذكر من جلالتهم، وحسن شارتهم وهيئتهم. وأقاموا بالمدينة أياما يناظرون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عيسى، ويزعمون تارة أنه اللّه، وتارة ولد الإله، وتارة : ثالث ثلاثة. رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يذكر لهم أشياء من صفات الباري تعالى، وانتفاءها عن عيسى، وهم يوافقونه على ذلك، ثم أبوا إلّا جحودا، ثم قالوا : يا محمد! ألست تزعم أنه كلمة اللّه وروح منه؟ قال :«بلى». قالوا : فحسبنا. فأنزل اللّه فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية منها، إلى أن دعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الابتهال.
وقال مقاتل : نزلت في اليهود المبغضين لعيسى، القاذفين لأمّه، المنكرين لما أنزل اللّه عليه من الإنجيل.
ومناسبة هذه السورة لما قبلها واضحة لأنه، لما ذكر آخر البقرة أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ «١» ناسب أن يذكر نصره تعالى على الكافرين، حيث ناظرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وردّ عليهم بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، فقص تعالى أحوالهم، وردّ عليهم في اعتقادهم، وذكر تنزيهه تعالى عما يقولون، وبداءة خلق مريم وابنها المسيح إلى آخر ما ردّ عليهم، ولما كان مفتتح آية آخر البقرة آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ «٢» فكأن في ذلك الإيمان باللّه وبالكتب، ناسب ذكر أوصاف اللّه تعالى، وذكر ما أنزل على رسوله، وذكر المنزل على غيره صلى اللّه عليهم.
قرأ السبعة : ألم اللّه، بفتح الميم، وألف الوصل ساقطة. وروى أبو بكر في بعض طرقه، عن عاصم : سكون الميم، وقطع الألف. وذكرها الفراء عن عاصم، ورويت هذه القراءة عن الحسن. وعمرو بن عبيد، والرؤاسي، والأعمش، والبرجمي، وابن القعقاع :
وقفوا على الميم، كما وقفوا على الألف واللام، وحقها ذلك، وأن يبدأ بما بعدها كما تقول :
واحد اثنان.

_
(١) سورة البقرة : ٢/ ٢٨٦، الآية الأخيرة.
(٢) سورة البقرة : ٢/ ٢٨٥.


الصفحة التالية
Icon