البحر المحيط، ج ٤، ص : ٣٣٨
يمنعه ذلك، أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض، ثم قرأ : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل الآية إلى قوله فاسقون ثم قال : واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه عن الحق اطرا، أو ليضرب اللّه بقلوب بعضكم على بعض وليلعنكم كما لعنهم» أخرجه الترمذي.
ومعنى لتأطرنه لتردنه. وقيل : التفاعل هنا بمعنى الافتعال يقال : انتهى عن الأمر وتناهى عنه إذا كف عنه، كما تقول : تجاوزوا واجتوزوا. والمعنى : كانوا لا يمتنعون عن منكر. وظاهر المنكر أنه غير معين، فيصلح إطلاقه على أيّ منكر فعلوه. وقيل : صيد السمك يوم السبت. وقيل : أخذ الرشا في الحكم. وقيل : أكل الربا وأثمان الشحوم. ولا يصح التناهي عما فعل، فإما أن يكون المعنى أرادوا فعله كما ترى آلات أمارات الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فينكر، وإما أن يكون على حذف مضاف أي : معاودة منكر أو مثل منكر.
لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ذم لما صدر عنهم من فعل المنكر وعدم تناهيهم عنه.
وقال الزمخشري : تعجيب من سوء فعلهم، مؤكدا لذلك بالقسم، فيا حسرتا على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر وقلة عنايتهم به كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كتاب اللّه، وما فيه من المبالغات في هذا الباب انتهى.
وقال حذّاق أهل العلم : ليس من شروط الناهي أن يكون سليما من المعصية، بل ينهي العصاة بعضهم بعضا. وقال بعض الأصوليين : فرض على الذين يتعاطون الكؤس أن ينهي بعضهم بعضا، واستدل بهذه الآية لأن قوله : لا يتناهون وفعلوه، يقتضي اشتراكهم في الفعل، وذمهم على ترك التناهي. وفي الحديث :«لا يزال العذاب مكفوفا عن العباد ما استتروا بمعاصي اللّه، فإذا أعلنوها فلم ينكروها استحقوا عقاب اللّه تعالى».
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا الظاهر عود الضمير في : منهم، على بني إسرائيل فقال مقاتل : كثيرا منهم هو من كان بحضرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم يتولون الكفار وعبدة الأوثان، والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه الذين استجلبوا المشركين على الرسول، وعلى هذا يكون ترى بصرية، ويحتمل أن تكون من رؤية القلب، فيحتمل أن يراد أسلافهم أي : ترى الآن إذ أخبرناك. وقيل : كثيرا منهم منافقو أهل الكتاب كانوا يتولون المشركين.
وقيل : هو كلام منقطع من ذكر بني إسرائيل عني به المنافقون تولوا اليهود روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد.