مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٠٤
السلام ذكر لهم وعيدا مجددا فقال : فَانْتَظِرُوا ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ.
ثم انه تعالى اخبر عن عاقبة هذه الواقعة فقال : فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا إذ كانوا مستحقين للرحمة بسبب ايمانهم وقطعنا دابر الذين كذبوا بالآيات التي جعلناها معجزة لهود والمراد انه تعالى انزل عليهم عذاب الاستئصال الذي هو الريح وقد بين اللّه كيفيته في غير هذا الموضع وقطع الدابر : هو الاستئصال فدل بهذا اللفظ انه تعالى ما أبقى منهم أحدا ودابر الشيء آخره.
فان قيل : لما اخبر عنهم بأنهم كانوا مكذبين بآيات اللّه لزم القطع بأنهم ما كانوا مؤمنين فما الفائدة في قوله بعد ذلك : وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ.
قلنا : معناه انهم مكذبون وعلم اللّه منهم انهم لو بقوا لم يؤمنوا ايضا ولو علم تعالى انهم سيؤمنون لأبقاهم.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٣ إلى ٧٤]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)
اعلم ان هذا هو القصة الثالثة وهو قصة صالح.
اما قوله : وَإِلى ثَمُودَ فالمعنى لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً [الأعراف : ٥٩] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً [الأعراف : ٦٥] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [هود : ٦١] وفيه مسائل :
المسألة الاولى : قال ابو عمرو بن العلاء : سميت ثمودا لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام وإلى وادي القرى وقيل سميت ثمود لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عاد بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام.
المسألة الثانية : قرئ وَإِلى ثَمُودَ يمنع الصرف بتأويل القبيلة وَإِلى ثَمُودَ بالصرف بتأويل الحي او باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر وقد ورد القرآن بهما صريحا. قال تعالى : أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ [هود : ٦٨].
واعلم انه تعالى حكى عنه انه أمرهم بعبادة اللّه ونهاهم عن عبادة غير اللّه كما ذكره من قبله من الأنبياء.
ثم قال : قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وهذه الزيادة مذكورة في هذه القصة وهي تدل على ان كل من كان قبله من الأنبياء كانوا يذكرون الدلائل على صحة التوحيد والنبوة لان التقليد وحده لو كان كافيا لكانت تلك البينة هاهنا لغوا ثم بين ان تلك البينة هي الناقة فقال : هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً وفيه مسائل :
المسألة الاولى : ذكروا انه تعالى لما أهلك عادا قام ثمود مقامهم وطال عمرهم وكثر تنعمهم ثم عصوا


الصفحة التالية
Icon