مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٢٠
وإذا عرفت هذا فنقول : على التفسيرين شبه اللّه حال هؤلاء المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الديار. قال الشاعر :
كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر
البحث الثاني : قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الذين يدل على ان ذلك العذاب كان مختصا بأولئك المكذبين، وذلك يدل على أشياء : أحدها : ان ذلك العذاب انما حدث بتخليق فاعل مختار، وليس ذلك اثر الكواكب والطبيعة، والا لحصل في اتباع شعيب، كما حصل في حق الكفار. والثاني : يدل على ان ذلك الفاعل المختار، عالم بجميع الجزئيات، حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي. وثالثها : يدل على المعجز العظيم في حق شعيب، لان العذاب النازل من السماء لما وقع على قوم دون قوم مع كونهم مجتمعين في بلدة واحدة، كان ذلك من أعظم المعجزات.
ثم قال تعالى : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ وانما كرر قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً لتعظيم المذلة لهم وتفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم، فيقول الرجل لغيره : أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي هتك أعراضنا، وايضا ان القوم لما قالوا : لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ بين تعالى ان الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون.
ثم قال تعالى : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ واختلفوا في انه تولى بعد نزول العذاب بهم او قبل ذلك، وقد سبق ذكر هذه المسألة. قال الكلبي : خرج من بين أظهرهم، ولم يعذب قوم نبي حتى اخرج من بينهم.
ثم قال : فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ الاسى شدة الحزن. قال العجاج :
وانحلبت عيناه من فرط الاسى
إذا عرفت هذا فنقول : في الآية قولان :
القول الاول : انه اشتد حزنه على قومه، لأنهم كانوا كثيرين، وكان يتوقع منهم الاستجابة للايمان، فلما ان نزل بهم ذلك الهلاك العظيم، حصل في قلبه من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الالفة. ثم عزى نفسه وقال : فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ لأنهم هم الذين اهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر.
والقول الثاني : ان المراد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم، فلم تسمعوا قولي، ولم تقبلوا نصيحتي فكيف آسى عليكم يعني انهم ليسوا مستحقين بان ياسى الإنسان عليهم. قال صاحب «الكشاف» : وقرا يحيى بن وثاب فكيف ايسى بكسر الهمزة.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٤ إلى ٩٥]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)
اعلم انه تعالى لما عرفنا احوال هؤلاء الأنبياء، واحوال ما جرى على أممهم، كان من الجائز ان يظن انه


الصفحة التالية
Icon