مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٢٨
بامتناع وقوعها علمنا ان ما ذكرتموه فاسد. والثاني : انا لو جوزنا أمثال هذه الأحوال في زمان دعوة النبوة فانه يبطل ايضا به القول بصحة النبوة فانه إذا جاز ان تنقلب العصا ثعبانا جاز في الشخص الذي شاهدناه انه ليس هو الشخص الاول بل اللّه اعدم الشخص الاول دفعة واحدة وأوجد شخصا آخر يساويه في جميع الصفات.
وعلى هذا التقدير فلا يمكننا ان نعلم ان هذا الذي نراه الآن هو الذي رأيناه بالأمس وحينئذ يلزم وقوع الشك في الذين رأوا موسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام ان ذلك الشخص هل هو الذي رأوه بالأمس أم لا؟ ومعلوم ان تجويزه يوجب القدح في النبوة والرسالة. والثالث : وهو ان هذا الزمان وان لم يكن زمان جواز المعجزات الا انه زمان جواز الكرامات عندكم فيلزمكم تجويزه فهذا جملة الكلام في هذا المقام.
واعلم ان القول بتجويز انقلاب العادات عن مجاريها صعب مشكل والعقلاء اضطربوا فيه وحصل لأهل العلم فيه ثلاثة اقوال :
القول الاول : قول من يجوز ذلك على الإطلاق وهو قول أصحابنا وذلك لأنهم جوزوا / تولد الإنسان وسائر انواع الحيوان والنبات دفعة واحدة من غير سابقة مادة ولا مدة ولا اصل ولا تربية وجوزوا في الجوهر الفرد ان يكون حيا عالما قادرا عاقلا قاهرا من غير حصول بنية ولا مزاج ولا رطوبة ولا تركيب وجوزوا في الأعمى الذي يكون بالأندلس ان يبصر في ظلمة الليل البقعة التي تكون بأقصى المشرق مع ان الإنسان الذي يكون سليم البصر لا يرى الشمس الطالعة في ضياء النهار فهذا هو قول أصحابنا.
والقول الثاني : قول الفلاسفة الطبيعيين وهو ان ذلك ممتنع على الإطلاق وزعموا انه لا يجوز حدوث هذه الأشياء ودخولها في الوجود الا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين. وقالوا : وبهذا الطريق دفعنا عن أنفسنا التزام الجهالات التي ذكرناها والمحالات التي شرحناها واعلم انهم وان زعموا ان ذلك غير لازم لهم الا انهم في الحقيقة يلزمهم ذلك لزوما لا دافع له وتقريره ان هذه الحوادث التي تحدث في عالمنا هذا اما ان تحدث لا لمؤثر او لمؤثر وعلى التقديرين : فالقول الذي ذكرناه لازم اما على القول بأنها تحدث لا عن مؤثر فهذا القول باطل في صريح العقل الا ان مع تجويزه فالالزام المذكور لازم لأنا إذا جوزنا حدوث الأشياء لا عن مؤثر ولا عن موجد فكيف يكون الامان من تجويز حدوث انسان لا عن الأبوين ومن تجويز انقلاب الجبل ذهبا والبحر دما؟ فان تجويز حدوث بعض الأشياء لا عن مؤثر ليس ابعد عند العقل من تجويز حدوث سائر الأشياء لا عن مؤثر فثبت على هذا التقدير ان الإلزام المذكور لازم اما على التقدير الثاني وهو اثبات مؤثر ومدبر لهذا العالم فذلك المؤثر اما ان يكون موجبا بالذات واما ان يكون فاعلا بالاختيار. اما على التقدير الاول فالالزامات المذكورة لازمة وتقريره : انه إذا كان مؤثرا ومرجحه موجبا بالذات وجب الجزم بان اختصاص كل وقت معين بالحادث المعين الذي حدث فيه انما كان لأجل انه بحسب اختلاف الأشكال الفلكية تختلف حوادث هذا العالم إذ لو لم يعتبر هذا المعنى لامتنع ان تكون العلة القديمة الدائمة سببا لحدوث المعلول الحادث المتغير.
وإذا ثبت هذا فنقول : كيف الامان من ان يحدث في الفلك شكل غريب يقتضي حدوث انسان دفعة واحدة لا عن الأبوين وانتقال مادة الجبل من الصورة الجبلية إلى الصورة الذهبية او للصورة الحيوانية؟ وحينئذ تعود جميع الإلزامات المذكورة. واما على التقدير الثاني وهو ان يكون مؤثر العالم ومرجحه فاعلا مختارا فلا