مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٤٠
مِنَّا
[المائدة : ٥٩] قال ابن عباس : يريد ما أتينا بذنب تعذبنا عليه الا ان آمنا بآيات ربنا. والمراد : ما اتى به موسى عليه السلام من المعجزات القاهرة التي لا يقدر على مثلها الا اللّه تعالى.
ثم قالوا : رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً معنى الإفراغ في اللغة الصب. يقال : درهم مفرغ إذا كان مصبوبا في قالبه وليس بمضروب وأصله من الفراغ الإناء وهو صب ما فيه حتى يخلو الإناء وهو من الفراغ فاستعمل في الصبر على التشبيه بحال إفراغ الإناء. قال مجاهد : المعنى صب علينا الصبر عند الصلب والقطع وفي الآية فوائد :
الفائدة الاولى : أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أكمل من قوله : انزل علينا صبرا لأنا ذكرنا ان إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية فكأنهم طلبوا من اللّه كل الصبر لا بعضه.
والفائدة الثانية : ان قوله صَبْراً مذكور بصيغة التنكير وذلك يدل على الكمال والتمام اي صبرا كاملا تاما كقوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة : ٩٦] اى على حياة كاملة تامة.
والفائدة الثالثة : ان ذلك الصبر من قبلهم ومن أعمالهم ثم انهم طلبوه من اللّه تعالى وذلك يدل على ان فعل العبد لا يحصل الا بتخليق اللّه وقضائه. قال القاضي : انما سألوه تعالى الألطاف التي تدعوهم إلى الثبات والصبر وذلك معلوم في الادعية.
والجواب : هذا عدول عن الظاهر ثم الدليل يأباه وذلك لان الفعل لا يحصل الا عند حصول الداعية الجازمة وحصولها ليس الا من قبل اللّه عز وجل فيكون الكل من اللّه تعالى.
واما قوله : وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ فمعناه توفنا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام وفيه مسألتان :
المسألة الاولى : احتج أصحابنا على ان الايمان والإسلام لا يحصل الا بخلق اللّه تعالى ووجه الاستدلال به ظاهر. والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف والكلام عليه معلوم مما سبق.
المسألة الثانية : احتج القاضي بهذه الآية على ان الايمان والإسلام واحد. فقال انهم قالوا أولا آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا ثم قالوا ثانيا : وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ فوجب ان يكون هذا الإسلام هو ذلك الايمان وذلك يدل على ان أحدهما هو الآخر. واللّه اعلم. موسى عليه السلام رجلا حديدا فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب اللّه له فأرسل عليهم الطوفان الدائم ليلا ونهارا سبتا إلى سبت، حتى كان الرجل منهم لا يرى شمسا ولا قمرا ولا يستطيع الخروج من داره وجاءهم الغرق فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به فأرسل إلى موسى عليه السلام وقال : اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحرا واحدا فان كشفت هذا العذاب آمنا بك فأزال اللّه عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط. فقالوا : هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر. فلا واللّه لا نؤمن بك ولا نرسل معك بنى إسرائيل فنكثوا العهد فأرسل اللّه عليهم الجراد فأكل النبات وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعا فأكلت النبات فصرخ اهل مصر فدعا موسى عليه السلام فأرسل اللّه تعالى ريحا فاحتملت الجراد فألقته في البحر فنظر اهل مصر إلى ان بقية من كلئهم وزرعهم تكفيهم. فقالوا : هذا الذي بقي يكفينا ولا نؤمن


الصفحة التالية
Icon