مفاتيح الغيب، ج ١٨، ص : ٥١١
قلنا : بل هذا مطابق ويكون المراد من قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ لأجلي أي أنها سجدت للَّه لطلب مصلحتي وللسعي في إعلاء منصبي، وإذا كان هذا محتملا سقط السؤال. وعندي أن هذا التأويل متعين، لأنه لا يستبعد من عقل يوسف ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوة.
والوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا للَّه شكرا لنعمة وجدانه. وهذا التأويل حسن فإنه يقال : صليت للكعبة كما يقال : صليت إلى الكعبة. قال حسان شعرا :
ما كنت أعرف أن الأمر منصرف عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أليس أول من صلى لقبلتكم وأعرف الناس بالقرآن والسنن
وهذا يدل على أنه يجوز أن يقال فلان صلى للقبلة، وكذلك يجوز أن يقال سجد للقبلة وقوله : وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً أي جعلوه كالقبلة ثم سجدوا للَّه شكرا لنعمة وجدانه.
الوجه الثالث : في الجواب قد يسمى التواضع سجودا كقوله :
ترى الأكم فيها سجدا للحوافر
وكان المراد هاهنا التواضع إلا أن هذا مشكل، لأنه تعالى قال : وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً والخرور إلى السجدة مشعر بالإتيان بالسجدة على أكمل الوجوه وأجيب عنه بأن الخرور قد يعني به المرور فقط قال تعالى : لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً [الفرقان : ٧٣] يعني لم يمروا.
الوجه الرابع : في الجواب أن نقول : الضمير في قوله : وَخَرُّوا لَهُ غير عائد إلى الأبوين لا محالة، وإلا لقال : وخروا له ساجدين، بل الضمير عائد إلى إخوته، وإلى سائر من كان يدخل / عليه لأجل التهنئة.
والتقدير : ورفع أبويه على العرش مبالغة في تعظيمهما، وأما الإخوة وسائر الداخلين فخروا له ساجدين.
فإن قالوا : فهذا لا يلائم قوله : يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ.
قلنا : إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقا للرؤيا بحسب الصورة والصفة من كل الوجوه فسجود الكواكب والشمس والقمر، تعبير عن تعظيم الأكابر من الناس له ولا شك أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصر لأجله في نهاية التعظيم له، فكفى هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون التعبير مساويا لأصل الرؤيا في الصفة والصورة فلم يوجبه أحد من العقلاء.
الوجه الخامس : في الجواب لعل الفعل الدال على التحية والإكرام في ذلك الوقت هو السجود، وكان مقصودهم من السجود تعظيمه، وهذا في غاية البعد لأن المبالغة في التعظيم كانت أليق بيوسف منها بيعقوب، فلو كان الأمر كما قلتم، لكان من الواجب أن يسجد يوسف ليعقوب عليه السلام.
والوجه السادس : فيه أن يقال : لعل إخوته حملتهم الأنفة والاستعلاء على أن لا يسجدوا له على سبيل التواضع، وعلم يعقوب عليه السلام أنهم لو لم يفعلوا ذلك لصار ذلك سببا لثوران الفتن ولظهور الأحقاد القديمة بعد كمونها فهو عليه السلام مع جلالة قدره وعظم حقه بسبب الأبوة والشيخوخة والتقدم في الدين والنبوة والعلم فعل ذلك السجود، حتى تصير مشاهدتهم لذلك سببا لزوال الأنفة والنفرة عن قلوبهم ألا ترى أن