مفاتيح الغيب، ج ١٨، ص : ٥٢١
اعلم أنه قرأ حفص عن عاصم نُوحِي بالنون، والباقون بالياء ا فلا يعقلون قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، ورواية حفص عن عاصم : تَعْقِلُونَ بالتاء على الخطاب، والباقون : بالياء على الغائب.
واعلم أن من جملة شبه منكري نبوته عليه الصلاة والسلام أن اللَّه لو أراد إرسال رسول لبعث ملكا، فقال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فلما كان الكل / هكذا فكيف تعجبوا في حقك يا محمد والآية تدل على أن اللَّه ما بعث رسولا إلى الحق من النسوان وأيضا لم يبعث رسولا من أهل البادية.
قال عليه الصلاة والسلام :«من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل».
ثم قال : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا إلى مصارع الأمم المكذبة وقوله : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ والمعنى دار الحالة الآخرة، لأن للناس حالتين حال الدنيا وحال الآخرة، ومثله قوله صلاة الأولى أي صلاة الفريضة الأولى، وأما بيان أن الآخرة خير من الأولى فقد ذكرنا دلائله مرارا.
[سورة يوسف (١٢) : آية ١١٠]
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)
اعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي كُذِبُوا بالتخفيف، وكسر الذال والباقون بالتشديد، ومعنى التخفيف من وجهين : أحدهما : أن الظن واقع بالقوم، أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان القوم فظن القوم أن الرسل كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر.
فإن قيل : لم يجر فيما سبق ذكر المرسل إليهم فكيف يحسن عود هذا الضمير إليهم.
قلنا : ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم وإن شئت قلت أن ذكرهم جرى في قوله : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [يوسف : ١٠٩] فيكون الضمير عائدا إلى الذين من قبلهم من مكذبي الرسل والظن هاهنا بمعنى التوهم والحسبان.
والوجه الثاني : أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا وهذا التأويل منقول عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قالوا : وإنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية إلا أنه بعيد، لأن المؤمن لا يجوز أن يظن باللَّه الكذب، بل يخرج بذلك عن الإيمان فكيف يجوز مثله على الرسل، وأما قراءة التشديد ففيها وجهان : الأول : أن الظن بمعنى اليقين، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيبا لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك، فحينئذ دعوا عليهم فهنالك أنزل اللَّه سبحانه عليهم عذاب والاستئصال، وورود الظن بمعنى العلم كثير في القرآن قال تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة : ٤٦] أي يتيقنون ذلك. والثاني : أن يكون الظن بمعنى الحسبان والتقدير / حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي اللَّه عنها، وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية، روي أن ابن أبي مليكة نقل عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال : وظن الرسل أنهم كذبوا، لأنهم كانوا بشرا ألا ترى إلى قوله :
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة : ٢١٤] قال فذكرت ذلك لعائشة رضي اللَّه عنها


الصفحة التالية
Icon