مفاتيح الغيب، ج ٢، ص : ٤٤٥
أن الشيخ الذي لم يبق له ميل إلى / النساء إذا امتنع عن الزنا فليست فضيلته كفضيلة من يمتنع عنهن مع الميل الشديد والشوق العظيم فكذا هاهنا وسابعها : أن اللّه تعالى خلق الملائكة عقولًا بلا شهوة وخلق البهائم شهوات بلا عقل وخلق الآدمي وجمع فيه بين الأمرين فصار الآدمي بسبب العقل فوق البهيمة بدرجات لا حد لها فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون الملائكة ثم وجدنا الآدمي إذا غلب هواه عقله حتى صار يعمل بهواه دون عقله فإنه يصير دون البهيمة على ما قال تعالى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف : ١٧٩] ولذلك صار مصيرهم إلى النار دون البهائم فيجب أن يقال إذا غلب عقله هواه حتى صار لا يعمل بهوى نفسه شيئاً بل يعمل بهوى عقله أن يكون فوق الملائكة اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر. وثامنها : أن الملائكة حفظة وبنو آدم محفوظون والمحفوظ أعز وأشرف من الحافظ فيجب أن يكون بنو آدم أكرم وأشرف على اللّه تعالى من الملائكة. وتاسعها :
ما
روي أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى اللّه عليه وسلم حتى أركبه على البراق ليلة المعراج وهذا يدل على أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم أفضل منه ولما وصل محمد عليه الصلاة والسلام إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل عليه السلام وقال :«لو دنوت أنملة لاحترقت»
وعاشرها :
قوله عليه الصلاة والسلام :«إن لي وزيرين في السماء وزيرين في الأرض، أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فأبو بكر وعمر»
فدل هذا الخبر على أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم كان كالملك وجبريل وميكائيل كانا كالوزيرين له والملك أفضل من الوزير فلزم أن يكون محمداً أفضل من الملك. هذا تمام القول في دلائل من فضل البشر على الملك. أجاب القائلون بتفضيل الملك [أما] عن الحجة الأولى : فقالوا قد سبق بيان أن من الناس من قال : المراد من السجود هو التواضع لا وضع الجبهة على الأرض ومنهم من سلم أنه عبارة عن وضع الجبهة على الأرض لكنه قال السجود للّه وآدم قبلة السجود وعلى هذين القولين لا إشكال أما إذا سلمنا أن السجود كان لآدم عليه السلام فلم قلتم إن ذلك لا يجوز من الأشرف في حق الشريف وذلك لأن الحكمة قد تقتضي ذلك كثيراً من حب الأشرف وإظهار النهاية في الانقياد والطاعة فإن للسلطان أن يجلس أقل عبيده في الصدر وأن يأمر الأكابر بخدمته ويكون غرضه من ذلك إظهار كونهم مطيعين له في كل الأمور منقادين له في جميع الأحوال فلم لا يجوز أن يكون الأمر هاهنا كذلك وأيضاً أليس من مذهبنا أنه يفعل اللّه ما يشاء ويحكم ما يريد وأن أفعاله غير معللة ولذلك قلنا إنه لا اعتراض عليه في خلق الكفر في الإنسان ثم في تعذيبه عليه أبد الآباد وإذا كان كذلك فكيف يعترض عليه في أن يأمر الأعلى بالسجود للأدنى وأما الحجة الثانية : فجوابها أن آدم عليه السلام إنما جعل خليفة في الأرض وهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام كان أشرف من كل من في الأرض ولا يدل على كونه أشرف من ملائكة السماء فإن قيل فلم لم يجعل واحداً من ملائكة السماء خليفة له في الأرض قلنا لوجوه / منها أن البشر لا يطيقون رؤية الملائكة ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل ومنها أن الملائكة في نهاية الطهارة والعصمة وهذا هو المراد بقوله تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [الأنعام : ٩] وأما الحجة الثالثة : فلا نسلم أن آدم عليه السلام كان أعلم منهم أكثر ما في الباب أن آدم عليه
السلام كان عالماً بتلك اللغات وهم ما علموها لكن لعلهم كونوا عالمين بسائر الأشياء مع أن آدم عليه السلام ما كان عالماً بها والذي يحقق هذا أنا توافقنا على أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم أفضل من آدم عليه السلام مع أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم ما كان عالماً بهذه اللغات بأسرها وأيضاً فإن إبليس كان عالماً بأن قرب الشجرة مما يوجب خروج آدم عن الجنة وآدم عليه السلام لم يكن عالماً ذلك ولم يلزم منه كون إبليس أفضل من آدم عليه السلام والهدهد قال لسليمان أحطت بما لم تحط به ولم يلزم أن يكون الهدهد أفضل من سليمان سلمنا أنه