مفاتيح الغيب، ج ٢١، ص : ٤١٨
في الآية سؤالان. السؤال الأول : لم قال : يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ولم يقل يسجدون؟ والجواب المقصود من ذكر هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك حتى أنهم يسقطون. السؤال الثاني : لم قال : يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ ولم يقل على الأذقان والجواب العرب تقول إذا خر الرجل فوقع على وجهه خر للذقن واللّه أعلم. ثم قال تعالى :
وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا والمعنى أنهم يقولون في سجودهم : سُبْحانَ رَبِّنا أي ينزهونه ويعظمونه : إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا أي بإنزال القرآن وبعث محمد وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب لأن الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم فهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد ثم قال : وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين وهما خرورهم للسجود وفي حال كونهم باكين عند استماع القرآن ويدل عليه قوله : وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ويجوز أن يكون تكرار القول دلالة على تكرار الفعل منهم وقوله : يَبْكُونَ معناه الحال : وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً أي تواضعا واعلم أن المقصود من هذه الآية تقرير تحقيرهم والازدراء بشأنهم وعدم الاكتراث بهم وبإيمانهم وامتناعهم منه وأنهم وإن لم يؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منهم.
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١١٠ إلى ١١١]
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١)
[في قوله تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ] قال صاحب «الكشاف» المراد بهما الاسم لا المسمى و«أو» للتخيير ومعنى : ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أي سموا بهذا الاسم أو بهذا واذكروا إما هذا وإما هذا والتنوين في أَيًّا عوض عن المضاف إليه وما صلة للإبهام المؤكد لما في أي والتقدير أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى والضمير في قوله : فَلَهُ ليس براجع إلى أحد الاسمين المذكورين ولكن إلى مسماهما وهو ذاته عز وعلا والمعنى : أيا ما تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله : فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى لأنه إذا حسنت أسماؤه فقد حسن هذان الاسمان لأنه منها ومعنى حسن أسماء اللّه كونها مفيدة لمعاني التحميد والتقديس وقد سبق الاستقصاء في هذا الباب في آخر سورة الأعراف في تفسير قوله : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [الأعراف : ١٨٠] واحتج الجبائي بهذه الآية فقال : لو كان تعالى هو الخالق للظلم والجور لصح أن يقال يا ظالم وحينئذ يبطل ما ثبت في هذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة. والجواب : أنا لا نسلم أنه لو كان خالقا لأفعال العباد لصح وصفه بأنه ظالم وجائر كما أنه لا يلزم من كونه خالقا للحركة والسكون والسواد والبياض أن يقال يا متحرك ويا ساكن ويا أسود ويا أبيض «١» فإن قالوا فيلزم جواز أن يقال يا خالق الظلم والجور قلنا فيلزمكم أن تقولوا يا خالق العذرات والديدان والخنافس وكما أنكم تقولون أن ذلك حق في نفس الأمر ولكن الأدب أن يقال يا خالق السموات والأرض فكذا قولنا هنا، ثم قال تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وفيه مباحث :
البحث الأول : قوله : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيه أقوال. الأول :
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في

(١) يقتضي القياس في الرد على الجبائي أن يقول : يا محرك ويا مسكن ويا مسود ويا مبيض وهذه الأسماء وإن صلحت أسماء للّه إلا أن الحق أن أسماء اللّه توقيفية وهي تسعة وتسعون كلها في القرآن فلا ينبغي أن يسمى بغيرها. (الصاوي).


الصفحة التالية
Icon