[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤ إلى ٦]

وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦)
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ وأوحينا إليهم وحيا مقضيا، أى مقطوعا مبتوتاً بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة، ويعلون، أى : يتعظمون ويبغون فِي الْكِتابِ في التوراة، ولَتُفْسِدُنَّ جواب قسم محذوف. ويجوز أن يجرى القضاء المبتوت مجرى القسم، فيكون لَتُفْسِدُنَّ جوابا له، كأنه قال : وأقسمنا لتفسدن. وقرئ : لتفسدنّ، على البناء للمفعول. ولتفسدن، بفتح التاء من فسد مَرَّتَيْنِ أولاهما : قتل زكريا وحبس أرميا حين أنذرهم سخط اللّه، والآخرة : قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى ابن مريم عِباداً لَنا وقرئ عبيداً لنا. وأكثر ما يقال :
عباد اللّه وعبيد الناس : سنحاريب وجنوده «١» وقيل بخت نصر. وعن ابن عباس : جالوت. قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة، وخربوا المسجد، وسبوا منهم سبعين ألفاً. فإن قلت : كيف جاز أن يبعث اللّه الكفرة «٢» على ذلك ويسلطهم عليه «٣». قلت : معناه خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، على أنّ اللّه عزّ وعلا أسند بعث الكفرة عليهم إلى نفسه، فهو كقوله تعالى وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ وكقول الداعي. وخالف بين كلمهم. وأسند الجوس وهو التردّد خلال الديار بالفساد إليهم، فتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس المسند إليهم. وقرأ طلحة «فحاسوا» بالحاء. وقرئ : فجوّسوا. وخلل الديار. فإن قلت :
ما معنى وَعْدُ أُولاهُما؟ قلت : معناه وعد عقاب أولاهما وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا يعنى :
وكان وعد العقاب وعدا لا بد أن يفعل ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ أى الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو. قيل : هي قتل بخت نصر واستنقاذ بنى إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم، وقيل : هي قتل داود جالوت أَكْثَرَ نَفِيراً مما كنتم.
__
(١). قوله «سنحاريب وجنوده» كان ملك بابل، وبخت نصر هو ابن ابنه، وكان من كتابه. وكذا في الخازن. (ع)
(٢). قوله «فان قلت : كيف جاز أن يبعث اللّه الكفرة على ذلك» مبنى على أنه تعالى لا يفعل الشر ولا يريده، وهو مذهب المعتزلة. وعند أهل السنة كل كائن فهو فعله ومراده ولو شرا، فلا سؤال. (ع)
(٣). قال محمود :«إن قلت كيف جاز أن يبعث اللّه الكفرة... الخ» قال أحمد : هذا السؤال إنما يتوجه على قدرى يوجب على اللّه تعالى بزعمه رعاية ما يتوهمه بعقله مصلحة، وأما السنى إذا سئل هذا السؤال أجاب عنه بقوله لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ واللّه الموفق.


الصفحة التالية
Icon