ج ١، ص : ٢٩١
رسول كسائر الرسل لم يدّع أنه إله، ولم يطلب لنفسه العبادة حتى إذا مات أو قتل تركتم دينه ورجعتم كفارا.
ومن ينقلب على عقبيه ويعود إلى الكفر فلن يضر اللّه بشيء من الضرر، وإنما يضر نفسه وأما من ثبت على دينه وجاز هذا الامتحان الدقيق فهو من المجاهدين الصابرين الشاكرين الذين سيجزيهم اللّه خير الجزاء، وقد كانت هذه الآية تمهيدا لموت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أداء رسالته وقولا فصلا لأمثال عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه -.
ثم بعد ما لام القرآن المؤمنين على ما بدر منهم حينما بلغهم قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر لهم :
بأنه رسول كبقية الرسل، لم يطلب لنفسه العبادة، حتى إذا مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم كافرين، وإنما كان يأمركم بعبادة اللّه، واللّه حي لم يمت، ومهمته البلاغ فقط، فإذا ليس لوجوده دخل في استمرار عبادة اللّه.
وهنا يلومهم أيضا على أن النبي لو قتل - كما أشيع - ما كان لكم أن تفعلوا ما فعلتم.
ليس من شأن النفوس، ولا من سنة اللّه فيها، أن تموت بغير إذنه أو مشيئته، التي يجرى بها النظام العام في الكون، وارتباط الأسباب بالمسببات، فاللّه وحده هو المتصرف في كل شيء، وله الأمر فيأذن للملك يقبض الروح في الموت العادي وغيره، في الإنس والجن حتى في نفسه، الموكل بقبض الأرواح.
كتب هذا كتابا محكما مؤقتا بوقت لا يتعداه، ولن يؤخر اللّه نفسا إذا جاء أجلها فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [سورة النحل آية ٦١] وإذا كان العمر للّه، وانقضاؤه بإذنه وإرادته. فكيف يصح الجبن والوهن والضعف والانخذال ؟ ؟
ومن يرد ثواب الدنيا بجهده وعمله، وأعطاه اللّه شيئا من ثوابها. ومن يرد ثواب الآخرة وجزاءها أعطاه اللّه شيئا من ثوابها، على حسب إرادته ومشيئته في كلا الحالين، وأما أنتم يا من ضعفتم وفشلتم وتنازعتم وخالفتم أمر نبيكم وقائدكم لأجل الغنيمة، ما الذي تريدون بعملكم ؟ إن كنتم تريدون الدنيا فاللّه لا يمنعكم من ذلك، ولكن ليس هذا طريقها، إن العمل الذي يدعوكم إليه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو للدنيا والآخرة.
ولا تنس أن التعبير بقوله : يُرِدْ دليل على أن الإرادة للشخص هي التي تكيف العمل فتارة يكون خيرا وتارة يكون شرا
« إنما الأعمال بالنيات »
أما اللّه - سبحانه وتعالى - فسيجزى الشاكرين نعمه. الواقفين عند حدوده، الثابتين مع نبيه.