ج ١، ص : ٣٠٣
وكيف يكون ذلك ؟ وهم المثل العليا في الخلق الكامل والأدب العالي، وهم يعرفون أن من يأخذ شيئا في الدنيا بغير حق يأثم يوم القيامة وقد تمثل له كأنه حاضر أمامه وشاهد عليه وعلى عمله يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [سورة لقمان آية ١٦].
ومعنى الإتيان : أن اللّه يعلمها حق العلم ضرورة أن من يأتى بالشيء يعرفه.
وبعض المفسرين يرى أن معنى الإتيان أن الذي غل يأتى يوم القيامة وقد حمل المسروق في عنقه واستدلوا على ذلك بعدة روايات يمكن تأويلها.
ثم توفى كل نفس يوم القيامة ما كسبت من خير أو شر وهم لا يظلمون وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [سورة الكهف آية ٤٩].
وإذا كانت كل نفس توفى أجرها كاملا من خير وشر فهل يعقل أن يسوى بين المحسن والمسي ء ؟ أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ « ١ » ؟ أفمن اتبع رضوان اللّه وعمل عملا صالحا وابتعد عن الغل والفحش والمنكر حتى كأن رضوان اللّه أمامه.
وقائده فلا يرى إلا حيث يرضى اللّه، ولا يكون حيث يغضب اللّه، أهذا يكون كمن رجع بغضب من اللّه يوازيه ويساوى ذنبه وجرمه، واتخذ غضب اللّه مكانا يبوء إليه ولا يتركه ؟ ؟
أظن لا يسوى اللّه بين هذا وذاك!! إن كلا ممن اتبع رضوان اللّه من المؤمنين ومن باء بغضب اللّه الشديد لهم درجات ومنازل عند ربهم يوم القيامة فأعلى الدرجات : الرّفيق الأعلى درجة النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلّى اللّه عليه وسلّم وأسفلها الدرك الأسفل : درك أولئك المنافقين والمشركين والكافرين، ولا غرابة فاللّه بصير بما يعملون.
وكيف تظنون بنبيكم المصطفى هذه الظنون ؟
ولقد منّ اللّه وتفضل به على الناس أجمع إذ أرسله رسولا ورحمة للعالمين ومنّ عليكم أنتم إذ أرسله من أنفسكم وجنسكم فهو عربي من ولد إسماعيل، وإذا كان كذلك كنتم أدرى الناس به وبخلقه وصدقه وطبعه ولسانه، وعلى هذا كنتم السابقين إلى الإسلام
(١) سورة السجدة آية ١٨.