ج ١، ص : ٤٥٥
وليعملن بها، ولا يكتمون بشارة عيسى ابن مريم ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم
روى أنهم بعد ما قبلوا ما كلفوا به من الدين أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عنه فاللّه يعذبهم بأى نوع من العذاب وهذا هو الميثاق المؤكد.
ثم انظر بعد هذا الميثاق المؤكد والعقود الموثقة ماذا هم فاعلون ؟ ؟
لقد سجل القرآن عليهم هنا أقبح المخالفات وأشد العناد فقال ما معناه : فبسبب نقضهم الميثاق الذي واثقهم اللّه عليه، فقد أحلوا حرامه وحرموا حلاله، وبكفرهم بآيات اللّه التي أراهم منها ما لم ير سواهم، وبسبب قتلهم الأنبياء بغير ذنب إلا أنهم قالوا : ربنا اللّه، قتلوهم بغير حق كزكريا ويحيى - عليهما السلام - وبسبب قولهم :
قلوبنا في غلاف فلا يصل إليها شيء مما تدعون إليه، أو هي أوعية مليئة بالعلم فليست في حاجة إلى شي ء!! لا بل طبع اللّه على قلوبهم بكفرهم وختم عليها فلا يصل إليها نور الهدى فهي كالنقود المضروبة لا تقبل نقشا آخر، ولذلك فهم لا يؤمنون إلا قليلا منهم كعبد اللّه بن سلام وأضرابه.
وبكفرهم بعيسى والإنجيل ورميهم بالفاحشة مريم البتول رموها بيوسف النجار وكان صالحا فيهم، ولا شك أن هذا بهتان يبهت من يقال فيه ويدهش عند سماعه لبعده عن الحق وغرابته، وبادعائهم أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه ووصفهم له بالرسالة تهكما به ووصف القرآن له بأن ابن مريم رسول اللّه للرد على من يزعم من النصارى أنه الإله أو ابنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وما قتلوه، وما صلبوه : كما زعموا وادعوا وشاع بينهم ولكن وقع لهم الشبه فظنوا أنهم صلبوه والواقع أنهم صلبوا شخصا غيره.. وكيف يقتل عيسى واللّه قد عصم أولى العزم من الرسل جميعا فنجى نوحا من الغرق، وإبراهيم من النار، وموسى من فرعون، وعيسى من اليهود، ومحمدا من المشركين.
وإن الذين اختلفوا في شأن عيسى من أهل الكتاب لفي شك منه وحيرة، ما لهم به من علم قاطع بقتله، لكنهم يتبعون الظن والشك في أمره، ويرجحون هذا على ذلك بالظنون والشبه لا بالعلم القاطع.
وفي الأناجيل المعتمدة عند النصارى، أنه قال لتلاميذه والمقربين إليه، وفي الليلة التي طلب فيها للقتل « كلكم تشكون في هذه الليلة ».