ج ٢، ص : ٨٥١
ولا ضرر فيه، وهذا المال مصدر تعب وشقاء لصاحبه في الواقع ونفس الأمر كما نشاهد ذلك عند أغلب الأغنياء.
ولا يلقّاها إلّا الصابرون، أى : ولا يلقى هذه الحقائق ويعمل بها إلا الصابرون، ولا شك أن هذه الحقائق هي الإيمان والعمل الصالح، وإدراك ما يوصل إلى خيرى الدنيا والآخرة.
وقد جاءت نهاية قارون مؤيدة لما ذهب إليه أهل العلم والبصر بالدنيا والآخرة فخسف اللّه بقارون وبداره وبماله وبجموعه الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون اللّه، ويمنعون عنه بأس اللّه وبطشه، حيث لم يعمل عملا صالحا يقربه إلى ربه، ولم يحصن ماله بالصدقة والزكاة، ولم يتقرب إلى اللّه وإلى الناس بترك الكبر والغرور والغطرسة، ولهذا كله كانت النتيجة أن ضاعت دنياه، وخسف اللّه به الأرض، واللّه على كل شيء قدير، وبعباده خبير بصير، وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون :
وى [كلمة تفيد معنى التعجب ] كأن اللّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، نعم، اللّه وحده هو الذي يعطى ويمنع ويبسط الرزق لمن يشاء ويقتر، فلم يعط إنسانا لعقله وعلمه، ولم يحرم آخر لجهله وسوء رأيه، بل الأمر كله للّه، وإذا كان كذلك فالواجب هو امتثال أمر اللّه، ومخالفة النفس الأمارة بالسوء، وترك الغرور والكبر فإن الأمر كله بيد اللّه، وهو صاحب الأمر، لو لا أن من اللّه علينا لأصابنا ما أصاب قارون، وى كأنه لم يفلح الكافرون حقيقة، وما هم فيه في الدنيا فهو استدراج لهم، وفتنة لغيرهم، تلك الدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم دائم لا تعب ولا مشقة معه يجعلها ربك للذين لا يريدون علوّا في الأرض على غيرهم، ولا يريدون فسادا والعاقبة للمتقين، وانظر إلى قوله تعالى : لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً حيث علق الوعد بترك إرادة العلو والفساد وميل القلب إليهما، لا بفعلهما مبالغة في تحذير المؤمنين وإبعادهم عن هذه الأمراض الخطيرة التي تبيد الأمم، وتهلك الأفراد والجماعات.
ولا غرابة في ذلك كله فإن هناك قانونا وسنة لا تتخلف هي : من جاء بالحسنة فله خير منها، أى : ثواب خير منها وهو عشر أمثالها. واللّه يضاعف لمن يشاء، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها فقط جزاء لعمله، وربك ذو فضل عظيم، إذ لا يجزى بالسيئة إلا مثلها، ويجزى بالحسنة عشر أمثالها، إن ربك واسع المغفرة.


الصفحة التالية
Icon