ج ٢قسم ١، ص : ٥٩
على صدق النبي ﷺ فى دعوى نبوته فانه لم يكن عالما بتلك القصص واخبر على ما كان عند أهل العلم منهم وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) أى القرآن ذى الحكمة وقال مقاتل الحكيم المحكم الممنوع من الباطل وقيل الذكر الحكيم هو اللوح المحفوظ وهو معلق بالعرش من درة بيضاء طوله ما بين السماء الأرض.
إِنَّ مَثَلَ عِيسى يعنى شأنه الغريب عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ كشأنه ثم فسره وبين وجه التشبيه فقال خَلَقَهُ أى صور قالبه يعنى آدم مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ أى لذلك القالب كُنْ بشرا حيّا فَيَكُونُ (٥٩) حكاية عن الحال الماضية أو المعنى قدر خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون وجاز أن يكون ثم لتراخى الخبر عن الخبر دون المخبر يعنى أخبر أولا انه خلق آدم من تراب ثم أخبر بانه انما خلقه بان قال له كن فكان يعنى لم يكن هناك اب ولا أم ولا حمل ولارضاع ولا فطام - فشأن عيسى فى الغرابة شابه شأن آدم من حيث كونه بلا اب فقط وشأن آدم اغرب منه بوجوه فشبه الغريب بالاغرب وما هو خارق للعادة بالاخرق ليكون اقطع لنزاع الخصم واحسم لمادة الشبهة - نزلت الآية فى وفد نجران لما قالوا لرسول الله ﷺ مالك تشتم صاحبنا قال ما أقول قالوا تقول انه عبد قال أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته القاها إلى العذراء البتول فغضبوا وقالوا وهل رايت إنسانا قط من غير اب فانزل الله تعالى لالزامهم واقحامهم هذه الآية - وأخرج ابن أبى حاتم من طريق العوفى عن ابن عباس نحوه وأخرج عن الحسن قال اتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راهبا نجران فقال أحدهما من أبو عيسى وكان رسول الله ﷺ لا يتعجل حتى يأمره ربه فنزل عليه ذلك نتلوه عليك إلى قوله من الممترين فانهم كانوا يعترفون بخلق آدم بغير اب وأم من تراب - وما أجهل النصارى لعنهم الله قالوا هل رايت إنسانا قط من غير اب وما تفكّروا فى أنفسهم انهم هل راوا إنسانا تلد شاة أو شاة تلد إنسانا مع اتحاد الجنس فى الحيوانية واختلافهما فى النوع فكيف حكموا بان الله الأحد الصمد القديم لذاته الذي ليس كمثله شىء ولد عيسى جسما مخلوقا حادثا يأكل الطعام وينام ويموت بل هو الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (فائدة) فى هذه الآية دلالة على التفسير
المظهري، ج ٢قسم ١، ص : ٦٠
حجية القياس لأن الله سبحانه نبه على الحكم بجواز خلق عيسى من غير اب قياسا على خلق آدم -.
الْحَقُّ خبر مبتدا محذوف أو فاعل لفعل محذوف يعنى هو الحق أو جاء الحق وجاز ان يكون مبتدا خبره مِنْ رَبِّكَ أى الحق المذكور من الله وعلى التقديرين الأولين من ربّك متعلق بجاء المحذوف أو حال من الضمير فى الحق فَلا تَكُنْ أيها المخاطب المنكر مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٧٠) الشاكّين فى امر عيسى عليه السلام كما افترت اليهود حتى بهتوا امه وافترت النصارى حتى قالوا انه ابن الله.
فَمَنْ شرطية وجاز ان يكون استفهامية لانكار وجود من يحاجه من بعد ان النصارى عجزوا من المخاصمة حَاجَّكَ أى جادلك من النصارى فِيهِ أى فى عيسى أو فى الحق مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بان عيسى عبد الله ورسوله - وفى ذكر هذا القيد للمباهلة تنبيه على ان المسلم لا ينبغى ان يباهل الا بعد كمال اليقين فَقُلْ يا محمد تَعالَوْا امر من التفاعل من العلو قال الفراء معناه كأنَّه قال ارتفعوا قلت كأنَّه يطلب منه ان يظهر على مكان عال ليبصر ما خفى عن بصره ثم استعير وغلب استعماله فى طلب التأمل والتوجه من المخاطب بالرأى فيما خفى عنه - فحاصل المعنى هلموا بالرأى والعزم - وقد يستعمل للدعاء إلى مكان قريب من الداعي نَدْعُ مجزوم فى جواب الأمر أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ يعنى ندع كل منا ومنكم نفسه واعزة اهله من الأبناء والنساء فنضمهم إلى أنفسنا حتى يعم ما نزل بالكاذب من العذاب اجمعهم وقدمهم على النفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحارب دونهم ولان الأصل فى الدعاء المغائرة بين الداعي والمدعو والمغائرة بين الرجل وبين ابنائه ونسائه حقيقى وبينه وبين نفسه اعتباري فقدم الحقيقي على الاعتباري - روى مسلم والترمذي عن سعد بن أبى وقاص قال لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله عليّا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهل بيتي ثُمَّ نَبْتَهِلْ افتعال ومعناه التفاعل واختير الافتعال هاهنا على التفاعل لأن المقصود منه جلب اللعنة إلى نفسه ان كان كاذبا ودفعها إلى خصمه ان كان صادقا وجلب الشر إلى نفسه اسرع وقوعا من دفعه إلى غيره فكان الغرض منه