يذكر تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إليه، كقوله تعالى :﴿ وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ﴾ [ البقرة : ١٤٢ ] الآية. وفي قوله :﴿ كُذِبُواْ ﴾ قراءتان إحداهما بالتشديد ﴿ قَدْ كُذِبُواْ ﴾، وكذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقرؤها، قال البخاري عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى :﴿ حتى إِذَا استيأس الرسل ﴾ قال، قلت : أكذبوا أم كذّبوا؟ قالت عائشة : كذّبوا، قلت : فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فماهو بالظن؟ قالت : أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت لها :﴿ وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ ؟ قالت : معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت فما هذه الآية؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر ﴿ حتى إِذَا استيأس الرسل ﴾ ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. والقراءة الثانية بالتخفيف واختلفوا في تفسيرها، فقال ابن عباس في قوله :﴿ حتى إِذَا استيأس الرسل وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ قال : لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم جاءهم النصر على ذلك، ﴿ فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ ﴾، وقال ابن جرير، عن إبراهيم بن أبي حمزة الجزري قال : سأل فتى من قريش سعيد بن جبير قال : أخبرنا أبا عبد الله كيف هذا الحرف؟ فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة ﴿ حتى إِذَا استيأس الرسل وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ قال : نعم، حتى استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، فقال الضحاك بن مزاحم : ما رأيت كاليوم قط رجلاً يدعى إلى علم فيتلكاً، لو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلاً. ثم روى ابن جرير أيضاً من وجه آخر أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك فأجابه بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فأعتنقه، وقال : فرج الله عنك كما فرجت عني. وأما ابن مسعود فقال ابن جرير، عن تميم بن حزم، قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الآية :﴿ حتى إِذَا استيأس الرسل ﴾ من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا بالتخفيف، فهاتان الروايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس والله أعلم.


الصفحة التالية
Icon