يقول تعالى منبهاً على شرف إبراهيم خليلة عليه السلام، وأن الله تعالى جعله إماماً للناس يقتدى به في التوحيد، حين قام به كلّفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي، ولهذا قال :﴿ وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ﴾ أي واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذي ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها... واذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم أي اختباره لهم بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ أي قام بهن كلهن كما قالت تعالى ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى ﴾ [ النجم : ٣٧ ] أي وفى جميع ما شرع له فعمل به صلوات الله عليه. وقال تعالى :﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجتباه وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [ النحل : ١٢٠-١٢١ ] وقال تعالى :﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين * إِنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتبعوه وهذا النبي والذين آمَنُواْ والله وَلِيُّ المؤمنين ﴾ [ آل عمران : ٦٧-٦٨ ].
وقوله تعالى ﴿ بِكَلِمَاتٍ ﴾ أي بشرائع وأوامر ونواه، ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ أي قام بهن، قال :﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ أي جزاء على ما فعل كما قام بالأوامر وترك الزواجر جعله الله للناس قدوة وإماماً يقتدى به ويحتذى حذوه.
وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام، فروي عن ابن عباس قال : ابتلاه الله بالمناسك، وروي عنه قال : ابتلاه بالطهارة خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في الجسد، في الرأس : قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وفي الجسد : تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال :« الفطرة خمس : الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط ».
وقال عكرمة عن ابن عباس أنه قال : ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى :﴿ وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾، قلت له : وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال : الإسلام ثلاثون سهماً منها عشر آيات في براءة :﴿ التائبون العابدون ﴾ [ الآية : ١١٢ ] إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ﴾ [ المؤمنون : ١ ] وعشر آيات من الأحزاب :﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات ﴾ [ الآية : ٣٥ ] إلى آخر الآية فأتمهن كلهن فكتبت له براءة.
قال الله تعالى :﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى ﴾ [ النجم : ٣٧ ]. وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال : الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن : فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من ووطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمر به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء قال الله له :