وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر : أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة الظهر. وأنها الصلاة الوسطى، والمشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر، وقال الحافظ ابن مردويه عن نويلة بنت مسلم قالت : صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد ( إيلياء ) فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي ﷺ قال :« أولئك رجال يؤمنون بالغيب »، وقوله :﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض، شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئاً في نفس الأمر لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها.
مسألة
وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، قال المالكية بقوله :﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الإنحناء وهو ينافي كمال القيام، وقال بعضهم : ينظر المصلي في قيامه إلى صدره، وقال شريك القاضي : ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة، لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث، وأما في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حِجْره.
وقوله تعالى :﴿ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ ﴾ أي واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس، يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمته، وما خصه الله تعالى به وشرَّفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكنَّ أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسداً وكفراً وعناداً، ولهذا تهددهم تعالى بقوله :﴿ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾.


الصفحة التالية
Icon