وقوله تعالى :﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ قال مجاهد : العفو : أن يقبل الدية في العمد. وعن ابن عباس :﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ يعني فمن ترك له من أخيه شيء يعني أخذ الدية بعد استحقاق الدم وذلك العفو ﴿ فاتباع بالمعروف ﴾، يقول : فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية ﴿ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ يعني من القاتل من غير ضرر يؤدي المطلوب إليه بإحسان، ﴿ ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ يقول تعالى إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد، تخفيفاً من الله عليكم ورحمة بكم، مما كان محتوماً على أمم قبلكم من القتل أو العفو، كما قال مجاهد عن ابن عباس : كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى ولم يكن فيهم العفو، فقال الله لهذه الأمة :﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد، ذلك تخفيف مما كتب على بني إسرائيل ومن كان قبلكم ﴿ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ وقال قتادة :﴿ ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ رحم الله هذه الأمة وأطعمهم الدية، ولم تحل لأحد قبله، فكان أهل التوراة إنما هو القصاص. وعفو ليس بينهم أرش، وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به، وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش.
وقوله تعالى :﴿ فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يقول تعالى فمن قَتَل بعد أخذ الدية أو قبولها فله عذاب من الله، أليم : موجع شديد، لحديث :« من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث : إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالداً فيها ».
وقوله تعالى :﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة ﴾، يقول تعالى : وفي شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل، انكف على صنيعه فكان في ذلك حياة للنفوس، واشتهر قولهم :« القتل أنفى للقتل » فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة ﴾ قال أبو العالية : جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل، ﴿ ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ يقول يا أولي العقول والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه. والتقوى : اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.