قال ابن عباس وعكرمة : المراد بالبر هاهنا الفيافي، وبالبحر الأمصار والقرى، وفي رواية عنه : البحر الأمصار والقرى ما كان منها على جانب نهر، وقال آخرون : بل المراد بالبر هو البر المعروف، وبالبحر هو البحر المعروف، وعن مجاهد ﴿ ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر ﴾ قال : فساد البر قتل ابن آدم، وفساد البحر أخذ السفينة غصباً، وقال عطاء : المراد بالبر ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر جزائره، والقول الأول أظهر وعليه الأكثرون؛ ومعنى قوله تعالى :﴿ ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس ﴾ أي بان النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي، وقال أبو العالية : من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء في الحديث :« لَحَدٍّ يقام في الأَرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً » والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس عن تعاطي المحرمات، وإذا تكرت المعاصي كان سبباً في حصول البركات من السماء والأرض؛ ولهذا إذا نزل عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان، قيل للأرض : أخرجي بركتك، فيأكل من الرمانة الفئام من الناس ويستظلون بقحفها، ويكفي لبن اللَّقُحة الجماعمة من الناس، وما ذاك إلاّ ببركة تنفيذ شريعة محمد ﷺ، فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير، ولهذا ثبت في « الصحيحين » :« أن الفاجر إذا مات يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب »، وقوله تعالى :﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ ﴾ الآية، أي يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختباراً منه لهم ومجازاة على صنيعهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي عن المعاصي، كما قال تعالى :﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [ الأعراف : ١٦٨ ]، ثم قال تعالى :﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلُ ﴾ أي من قبلكم، ﴿ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ ﴾ أي فانظر ما حل بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.


الصفحة التالية
Icon