وهذا الذي حكاه هو الأمر المتفق عليه عند العلماء، أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفاً في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بُدّ له منها، فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك، من قضاء الغائط أو الأكل، وليس له أن يقبِّل امرأته، ولا أن يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض لكن يسأل عنه مارّ في طريقه، وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ومنها ما هو مختلف فيه.
وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام، إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام، كما ثبت في السنّة عن رسول الله ﷺ أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عزّ وجلّ، ثم اعتكف أزواجه من بعده. وفي الصحيحين : أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي ﷺ وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلاً، فقام النبي ﷺ يمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبيَّ ﷺ أسرعا ( وفي رواية ) تواريا - أي حياءً من النبي ﷺ لكون أهله معه - فقال لهما ﷺ :« » على رسلكما إنها صفية بنت حيي « ( أي لا تسرعا واعلما أنها صفية بنت حيي أي زوجتي ) فقالا : سبحان الله يا رسول الله! فقال ﷺ :» إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً أو قال شراً «، قال الشافعي رحمه الله : أراد عليه السلام أن يعلِّم أمته التبري من التهمة في محلها، لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي ﷺ شيئاً والله أعلم. ثم المراد ( بالمباشرة ) إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان رسول الله ﷺ يدني إليَّ رأسه فأرجّله وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. قالت عائشة : ولقد كان المريض يكون في البيت فما أسأل عنه إلا وأنا مارة.
وقوله تعالى :﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ أي هذا الذي بيّناه وفرضناه وحدّدناه من الصيام وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرمنا وذكرنا غاياته ورخصه وعزائمه ﴿ حُدُودُ الله ﴾ أي شرعها الله وبيَّنها بنفسه ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ أي لا تجاوزوها وتتعدوها. وقيل في قوله :﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ أي المباشرة في الاعتكاف، ﴿ كذلك يُبَيِّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ ﴾ أي كما بيَّن الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ، ﴿ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ أي يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون كما قال تعالى :﴿ هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ الحديد : ٩ ].