قال البخاري عن حذيفة :﴿ وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ نزلت في النفقة. وعن أسلم أبي عمران قال : كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر ( عقبة بن عامر ) وعلى أهل الشام رجل ( يزيد بن فضالة ابن عبيد ) فخرج من المدينة صف عظيم من الروم فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه فقالوا : سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب : يا أيها الناس إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا : لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية.
وعن ابن عباس في قوله تعالى :﴿ وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾، قال : ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله، ولا تلق بيدك إلى التهلكة. وقال الحسن البصري :﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾، قال : هو البخل، وقال سماك بن حرب عن النعمان بن بشير في قوله :﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ أن يذنب الرجل الذنب فيقول لا يُغْفر لي فأنزل الله :﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة وأحسنوا إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ﴾. وقيل : إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له فيلقي بيده إلى التهلكة، أي يستكثر من الذنوب فيهلك. وقيل : إن رجالاً كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله ﷺ بغير نفقة، فأما أن يقطع بهم وإما كانوا عيالاً، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكةُ أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي، وقال لمن بيده فضل ﴿ وأحسنوا إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ﴾ ومضمون الآية الأمرُ بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدّوهم، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أعلى مقامات الطاعة فقال :﴿ وأحسنوا إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ﴾.


الصفحة التالية
Icon