وقوله تعالى :﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ ﴾ معطوف على قوله :﴿ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ ﴾، وليس معطوفاً على قوله :﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدي ﴾ كما زعمه ابن جرير رحمه الله، لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حالة الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق ﴿ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ ﴾ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارناً، أو من فعل أحدهما إن كان مفرداً أو متمتعاً كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت :« يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال :» إني لبدت رأس وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر « ».
وقوله تعالى :﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾. روى البخاري عن عبد الله بن معقل قال :« قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد، يعني مسجد الكوفة، فسألته عن فدية من صيام فقال : حُملتُ إلى النبي ﷺ والقملُ يتناثر على وجهي فقال :» ما كنتُ أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟ « قلت : لا، قال :» صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك «، فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة »، وعن كعب بن عجرة قال :« أتى عليّ النبي ﷺ وأنا أوقد تحت قدر، والقملُ يتناثر على وجهي أو قال حاجبي فقال :» يؤذيك هوام رأسك «؟ قلتُ : نعم، قال :» فاحلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة «، قال أيوب : لا أدري بأيتهن بدأ.
وروى مجاهد عن ابن عباس في قوله :﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾، قال : إذا كان ( أو ) فأية أخذت أجزأ عنك. وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاووس نحو ذلك. ( قلت ) : وهو مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء، أنه يخير في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدق بفرق، وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أيَّ ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ ولما أمر النبي ﷺ ( كعب ابن عجرة ) بذلك أرشده إلى الأفضل فالأفضل فقال :


الصفحة التالية
Icon