« من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ».
وتسمى عرفات ( المشعر الحرام ) والمشعر الأقصى و ( إلال ) على وزن هلال ويقال للجبل في وسطها جبل الرحمة، قال أبو طالب في قصيدته المشهورة :

وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له إلال إلى تلك الشراج القوابل
عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فأخر رسول الله ﷺ الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس. وفي حديث ( جابر بن عبد الله ) الطويل الذي في صحيح مسلم قال فيه : فلم يزل واقفاً يعني بعرفة، حتى غربت الشمس وبدت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى :« يا أيها الناس السكينة السكينة » كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبّح بينهما شيئاً ثم اضطجع، حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبَّره وهلَّله ووحّده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس. وفي الصحيحين عن أسامة ابن زيد أنه سئل كيف كان يسير رسول الله ﷺ حين دفع؟ قال : كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، والعنق هو انبساط السير، والنص فوقه. قال ابن عمر : المشعر الحرام المزدلفة كلها، وعنه أنه سئل عن قوله :﴿ فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام ﴾ فقال : هذا الجبل وما حوله. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة أنه قالوا : هو ما بين الجبلين، وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أين المزدلفة؟ قال : إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال : وليس المأزمان مأزماً عرفة من المزدلفة ولكن مفضاهما، قال : فقف بينهما إن شئت، قال : وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس. ( قلت ) : والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام لأنها داخل الحرم، وعن زيد بن أسلم : أن رسول الله ﷺ قال :« عرفة كلها موقف وارفعوا عن عرفة، وجمعٌ كلها موقف إلا محسراً » هذا حديث مرسل، وقد قال الإمام أحمد عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال :« كل عرفات موقف وارفعوا عن عرفات، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح ».
وقوله تعالى :﴿ واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان، والإرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه من الهداية لإبراهيم الخليل عليه السلام ولهذا قال :﴿ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضآلين ﴾ قيل : من قبل هذا الهدي، وقيل : القرآن، وقيل : الرسول، والكل متقارب ومتلازم وصحيح.


الصفحة التالية
Icon