قال السدي : نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ وأظهر الإسلام، وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في ( خبيب ) وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع، وعابوهم، وقيل : بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم وهو الصحيح، وروى ابن جرير قال : حدثني محمد بن أبي معشر، أخبرني أبو معشر نجيح، قال : سمعت سعيداً المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد : إن في بعض الكتب :( إن عباداً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسو للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال الله تعالى : عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران )، فقال محمد بن كعب : هذا في كتاب الله فقال : سعيد : واين هو من كتاب الله؟ قال، قول الله :﴿ وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا ﴾ الآية فقال سعيد : قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال : محمد بن كعب : إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد، وهذا الذي قاله القرطبي حسن صحيح.
وأما قوله تعالى :﴿ وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ فمعناه أنه يظهر للناس الإسلام، ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى :﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله ﴾ [ النساء : ١٠٨ ] الآية. وقيل : معناه : أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه وهذا المعنى صحيح واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الخصام ﴾ الألد في اللغة : الأعوج، ﴿ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ﴾ [ مريم : ٩٧ ] أي عوجاً، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال :« آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر » وفي الحديث :« إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ».
وقوله تعالى :﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل والله لاَ يُحِبُّ الفساد ﴾ أي هو أعوج المقال سيء الفعال، فذلك قوله وهذا فعله. كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة. والسعي هاهنا هو القصد كما قال إخباراً عن فرعون :﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى * فَحَشَرَ فنادى * فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ﴾ [ النازعات : ٢٢-٢٤ ] وقال تعالى :﴿ فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ﴾ [ الجمعة : ٩ ] أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية :« إذا أتتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار »