يقول تعالى :﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة ﴾ قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا، كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم ولهذا قال :﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام، والمصائب والنوائب. قال ابن مسعدود :﴿ البأسآء ﴾ الفقر، ﴿ والضرآء ﴾ السقم، ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ خوفوا من الأعداء زلزالاً شديداً وامتحنوا امتحاناً عظيماً، كما جاء في الحديث عن خباب بن الأرت قال : قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا، ألا تدعوا الله لنا فقال :« إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع الميشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه »، ثم قال :« والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون ».
وقال تعالى :﴿ الم * أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين ﴾ [ العنكبوت : ١-٣ ] وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله تعالى عنهم في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى :﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا * هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ [ الأحزاب : ١٠-١١ ]. ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه قال : نعم، قال : فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال : سجالاً يدال علينا وندال عليه، قال : كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة.
وقوله تعالى :﴿ مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ أي سنتهم كما قال تعالى :﴿ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ومضى مَثَلُ الأولين ﴾ [ الزخرف : ٨ ]، وقوله :﴿ وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ﴾ أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة. قال الله تعالى :﴿ ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾، كما قال :﴿ فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً * إِنَّ مَعَ العسر يُسْرا ﴾ [ الشرح : ٥-٦ ]، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها ولهذا قال :﴿ ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾.